مؤتمر الإسلام الديمقراطي في شمال وشرق سوريا، تحيي ذكرى ميلاد النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، في تل تمر.
في أجواء إيمانية وروحانية مفعمة بالمحبة والبهجة، أقامت رابطة آل البيت – السادة الأشراف – في مؤتمر الإسلام الديمقراطي، احتفالية جماهيرية بمناسبة ميلاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بتاريخ ٤ أيلول ٢٠٢٥، في التكية الحاتمية الرفاعية الصيادية الهاشمية، لراعيها الشيخ رياح الهاشمي في قرية (عب التينة) التابعة لمدينة تل تمر في شمال وشرق سوريا.
حضر الفعالية أعضاء من مؤتمر الإسلام الديمقراطي ورابطة آل البيت، إلى جانب شيوخ عشائر، وممثلين عن الإدارة الذاتية الديمقراطية، وجمع من أهالي المنطقة، في مشهد جسّد التآلف المجتمعي والارتباط الروحي بالرسالة النبوية.
بدأت الفعالية بالوقوف دقيقة احترام وإجلال لأرواح الشهداء الطاهرة، مع قراءة سورة الفاتحة، ومن ثم تلاوة عطرة من آي الذكر الحكيم.
وقدم للحفل الشيخ إبراهيم الناصر، عضو رابطة آل البيت في الحسكة، حيث رحب بالضيوف وبين أهمية المناسبة. ثم ألقى الشيخ سنان سيدوش، رئيس رابطة آل البيت في شمال وشرق سوريا، كلمة جاء فيها:
> نرحّب بكم جميعًا باسم رابطة آل البيت السادة الأشراف في شمال وشرق سوريا، ونشكركم على تلبية الدعوة وتحمل عناء السفر للمشاركة في هذه المناسبة المباركة، مناسبة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، التي بها تحيا الأرواح وتتعطر الأنفس.
أحباب رسول الله، أصبحنا – مع الأسف – في زمن الغفلة والابتعاد عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ونحتاج إلى قربه باتباع نهجه والسير على خطاه لنكون من الفائزين.
اليوم نحيي ذكرى المولد النبوي الشريف، ذلك الحدث الذي شكّل نقطة تحوّل في تاريخ الإنسانية. إن النبي محمدًا ﷺ لم يكن نبيًا فحسب، بل وكان مرشدًا علّم الناس كيف يفكّرون، وكيف يستخدمون عقولهم، وكيف يسلكون طريق العدل. كما يتكرر التنبيه لذلك في القرآن الكريم: ﴿أفلا تعقلون﴾ (البقرة، 44)، ﴿أفلا تتفكّرون﴾ (آل عمران، 65)، فإن هذه النداءات تشكّل جوهر رسالته.
إن إرث النبي يقوم على أخوّة الشعوب والأديان، فقد رأى في الاختلافات مصدر غنى، لا سببًا للصراع. يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا﴾ (الحجرات، 13)،
وما يقع على عاتقنا اليوم هو أن ننقل هذا الإرث النبوي إلى عصرنا هذا عبر:
– جعل العقل والعلم مناراتٍ للهداية.
– تعزيز أخوّة الأديان والشعوب.
– إقامة نظام اجتماعي قائم على العدل والمساواة.
– وجعل السلام والتسامح والحرية أساسًا للحياة المشتركة.
إن المولد ليس مجرد يوم ميلاد، بل هو ولادة متجددة تحرّر عقل الإنسان، وتفتح قلبه للسلام، وتدعو المجتمعات إلى الأخوّة.
وبمناسبة هذا اليوم العظيم، ندعو الله أن يعمّ السلام الإنسانية جمعاء، وأن تسود الأخوّة بين شعوبنا، وأن تكون عقولنا وقلوبنا منوّرة بنور العلم والعقل.
لقد وُلد صلى الله عليه وسلم في زمنٍ امتلأ بالظلم والجهل والظلام، فجاء ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سَعة الدنيا والآخرة.
ولذلك كانت رسالته أعظم رسالة، وشريعته أكمل شريعة، وسنته أنقى هدي. فلماذا نحن بعيدون عنه؟ ولماذا لا نطبق تعاليمه لنستحق شفاعته؟ ولماذا يضرب المسلمون اليوم وصاياه عرض الحائط ويقتتلون فيما بينهم من أجل الدنيا وشهواتها؟ والله يقول: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.
إخوتي، محبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست مجرد كلماتٍ على الألسن، ولا شعاراتٍ تُرفع، وإنما هي اتباعٌ لمنهجه، واقتداءٌ بأخلاقه، وتمسّكٌ بسنته في كل أمور حياتنا. قال صلى الله عليه وسلم: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».
أيها الأحبة: إن إحياء ذكرى مولده الشريف يكون بالعمل بسنّته، وأول طريق هديه وسنته العمل بأخلاقه الفاضلة، ونشرها كما قال الباري عز وجل: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، وأيضًا بالنصح والتناصح فيما بيننا كما قال صلوات ربي وسلامه عليه: «الدين النصيحة». وذلك لمنع الاقتتال وهدر دماء المسلمين وحفظ حقوقهم، ولا يكون ذلك إلا بتطبيق الميثاق الذي وضعه في المدينة المنورة صلوات ربي وسلامه عليه، لحماية حقوق جميع المكونات من المسلمين وغير المسلمين.
ونحن في رابطة آل البيت السادة الأشراف ننادي بأعلى صوتنا المسلمين وغير المسلمين بالابتعاد عن التطرف العنصري والديني وعدم رفض الآخر، لأنه سبيل إلى الهلاك والدمار. وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".
لقد كان شعار الشيخ أحمد الرفاعي قدس الله سره: "طريقنا مبنيّ على الكتاب والسنة، وتصفية القلوب من الكبر والحقد والحسد"، فأصبح قدوةً للسالكين، وأبًا روحيًا لكل من أراد أن يسلك سبيل الله بصدق وإخلاص.
والشيخ عبد القادر الكيلاني قدس الله سره يعلّمنا أن الطريق إلى الله لا يكون بكثرة الكلام ولا بالرياء والمظاهر، وإنما بصدق التوبة، وصفاء القلب، وخدمة الناس، والتواضع لله.
فأين نحن من هذا، إخواني؟
مطلوبٌ منا في هذه المرحلة الحساسة أن نكون على قدر المسؤولية، وأن نُصفّي قلوبنا ونحب بعضنا البعض، وأن نكون السند والسد المنيع أمام أي محاولة تفريق، وخاصة في بناء وطننا الحبيب سوريا، وطن يضمن حقوق جميع المكونات والأعراق والأديان، بعيدًا عن التطرف والعنصرية، وبعيدًا عن نبذ الآخر.
وطن يعيش فيه مواطنوه دون خوف أو إرهاب.
وطن يكون قراره من الشعب لا من السلطة، متمثلاً بشرائح واسعة من المجتمع.
وطن يؤمن بالحوار والاعتراف بالآخر كإنسان له حقوق وواجبات.
وطن يكون لكل السوريين، لا لفئة دون أخرى.
وطن سيد قراره، لا يقبل الإملاءات الخارجية.
وطن لكل السوريين: بعربهم وكردهم، بمسلميهم ومسيحييهم، بكل معتقد ودين، تحت شعار:
الدين لله والوطن للجميع.
كما نقف إجلالًا وإكبارًا لتضحيات شهدائنا الأبرار الذين ضحوا بأنفسهم من أجل كرامة وحرية الوطن. تحية طيبة للمرابطين على جبهات القتال المدافعين عن حقوق أبناء وشعوب شمال وشرق سوريا، قوات سوريا الديمقراطية التي حمت الأرض والعرض. تحية لهم جميعًا ولجميع القوى الأمنية، صمّام الأمان الداخلي.
والشكر لكم جميعًا، والشكر موصول للسيد الشريف رياح الحاتمي السلامي الرفاعي الحسيني الهاشمي على ما قدمه من جهود جبارة لإحياء هذه المناسبة المباركة، مناسبة مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كما ألقى الأستاذ مازن هاروني، نائب الرئيس المشترك لمؤتمر الإسلام الديمقراطي، كلمة باسم المؤتمر، شدّد فيها على أن ذكرى المولد النبوي الشريف يجب أن تكون مناسبة لتجديد الالتزام بتعاليم الإسلام وإحياء الأخلاق والقيم النبوية الشريفة.
واختُتمت الفعالية بتقديم قصائد وأناشيد إسلامية عبّرت عن الحب والولاء للنبي محمد ﷺ، ولامست مشاعر الحضور الذين تفاعلوا معها بروح من الإيمان والفرح.
