القرآن والسنة: تكامل النص والتطبيق
إعداد: خديجة ابراهيم
يُثار في العصر الحديث تساؤل جوهري حول كفاية القرآن الكريم لتطبيق الإسلام دون الرجوع إلى السنة النبوية. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى أن القرآن كتاب كامل لا يحتاج إلى مصادر أخرى، بينما يرى جمهور العلماء أن السنة تمثّل المصدر الثاني للتشريع، لتوضح القرآن والمبيّن لأحكامه.
إنّ القرآن الكريم نفسه يأمر بطاعة الرسول ﷺ، ويجعل اتباعه جزءًا من الإيمان، قال تعالى:
“من يطع الرسول فقد أطاع الله” [النساء: 80]،
“وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا” [الحشر: 7].
وهذه الآيات تدل على أن طاعة النبي ﷺ واجبة لأنها في حقيقتها طاعة لله تعالى، فالله هو الذي أرسله ووكله بتبليغ رسالته للناس، فهو المبلّغ عن ربه والمبين لأوامره ونواهيه.
كما يبيّن الله تعالى أن النبي ﷺ ليس مجرد مبلغ، بل رسول يوحى إليه، قال تعالى:
“قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد” [الكهف: 110].
فهذه الآية توضح أن الرسول ﷺ بشر مثل سائر الناس، لكنه متميز عنهم بالوحي الإلهي الذي جعله مؤهلًا لتبليغ رسالة الله وتطبيقها في الواقع.
من هنا نفهم أن طاعة الرسول ﷺ ليست لشخصه كبشر، وإنما لأنه الموحى إليه من الله، والمكلف بتوضيح معاني القرآن وبيان أحكامه.
من الناحية التشريعية، لم يقدّم القرآن التفاصيل الدقيقة لكثير من العبادات كالصلوات والزكاة والحج، فجاءت السنة لتوضّحها. فالاعتماد على القرآن وحده يجعل التطبيق العملي للدين ناقصًا.
ويتجلّى التكامل بين القرآن والسنة في أن كلاً منهما يعضد الآخر ويبين معانيه؛ فالقرآن يضع الأسس والمبادئ العامة، وتأتي السنة لتوضح التطبيق العملي لتلك المبادئ. فبعض أحكام السنة تؤكد ما ورد في القرآن، وأخرى تفسّر وتفصّل ما أُجمل فيه، كما تضيف السنة أحكامًا تكمل المنظومة التشريعية بما ينسجم مع روح الإسلام ومقاصده. وهكذا يكتمل البناء التشريعي بتلاقي النصّين في انسجام لا تعارض فيه ولا انفصال.
وهنا تبرز قاعدة مهمة يؤكدها العقل والنص معًا، وهي أن الأحاديث التي توافق عليها العقل السليم وتنسجم مع القرآن الكريم نقبلها ونجعلها جزءًا من هذا التكامل، لأنها تأتي منسجمة مع جوهر الوحي ومقاصده.
ومع ذلك، لا يعني ذلك التسليم بصحة كل حديث منسوب إلى النبي ﷺ، إذ وضعت بعض الأحاديث المكذوبة عبر التاريخ. لذلك نشأ علم الحديث، الذي اعتمد منهجًا نقديًّا صارمًا لتمييز الصحيح من الضعيف، وشارك فيه علماء من الرجال والنساء على حد سواء، وكانت من أبرز الروايات وأهل العلم في هذا المجال عائشة رضي الله عنها، التي روت عن النبي ﷺ عددًا كبيرًا من الأحاديث الصحيحة وأسهمت في حفظ السنة ونقلها.
إنّ الجمع بين القرآن والسنة الصحيحة يحقق التوازن بين النص والممارسة، وبين الإيمان والعقل، ليبقى الإسلام دينًا حيًّا قابلًا للتطبيق والرحمة في كل زمان ومكان.
