قوة العقل ـ امبراطورية الوعي ـ
قوة العقل من منظور الفلسفة
منذ فجر الفلسفة في اليونان القديمة، احتل العقل مكانة مركزية في مسعى الإنسان لفهم ذاته والعالم من حوله.
لم يكن العقل مجرد أداة للحساب أو حل المشكلات اليومية، بل كان القوة الجوهرية التي تميز الإنسان، والوسيلة المثلى لإدراك الحقيقة، حيث تتبنى الفلسفة العقلانية على وجه الخصوص، فكرة أن العقل هو المصدر الأساسي للمعرفة متجاوزة حدود الحواس الخدّاعة.
رأى أفلاطون أن العقل هو مركبة الرؤوس التي تقودها نحو عالم المُثُل، العالم الحقيقي الثابت للأفكار والمثل العليا مثل الحق والخير والجمال.
أما تلميذه أرسطو فقد عرّف الإنسان أنه "حيوان ناطق"، فالنطق هنا يعني امتلاك العقل، فقوة العقل عنده هي التي تمكننا من إدراك الكليات والماهيات ومن ممارسة الفضيلة.
أما في العصر الحديث، أعلن رينيه ديكارت شعاره الخالد: "أنا أفكر، إذاً أنا موجود" أو "الكوجيتو" حيث جعل من هذا الشعار نقطة اليقين التي لا تقبل الشك، والتي يمكن عليها بناء كل المعرفة فقوة العقل هنا هي قوة تأسيسية تبني نظاماً معرفياً كاملاً انطلاقاً من الشك في كل شيء والوصول إلى حقيقة التفكير الذاتي،
فالعقل عنده "أعدل الأشياء قسمة بين الناس" وهو أداة الفطرة السليمة والمنهج.
ثم جاء إيمانويل كانط ليحدث ثورة حقيقية في مفهوم العقل، في "نقد العقل المحض" حيث ميز بين أنواع المعرفة وحدد حدود العقل.
ويقول أن قوة العقل لا تكمن في معرفة "الأشياء في ذاتها" بل في تشكيل عالم التجربة الذي نعيش فيه، والعقل هو المشرّع الذي يفرض مقولات الزمان والمكان والسببية على العالم الظاهري أما "نقد العقل العملي" فقد أكد أن قوة العقل تتجلى في إدراك الواجب الأخلاقي من خلال "الأمر القطعي"، مما يجعل العقل مصدراً للقانون الأخلاقي المستقل عن الرغبات والميول.
وأتى سيغموند فرويد (صاحب نظرية التحليل النفسي ومكوناتها: (الهو ـ الأنا ـ الأنا العليا)، ليظهر أن القوة الحقيقية المحركة للسلوك الإنساني تكمن في منطقة اللاوعي المليئة بالرغبات والمخاوف المكبوتة (الأنا العليا)، وأن العقل الواعي (الأنا) هو مجرد رقعة جليد صغيرة فوق محيط هائل من الدوافع غير العقلانية.
بعد هذا الموجز أخيراً، لا تزال قوة العقل رغم كل النقد هي السمة الأكثر تميزاً للإنسان، لكن القوة الحقيقية للعقل المعاصر قد لا تكمن في ادعاء السيطرة المطلقة، بل في تواضعه، في قدرته على نقد ذاته والاعتراف بحدوده، وفهم تفاعله المعقد مع العواطف واللاوعي والجسد، قوة العقل اليوم هي في كونه أداة حوار دائمة ونظام مرن للتفكير والتأمل، وليس حاكماً مستبداً، فهو يمكننا من فهم تعقيدات العالم ومن أن نعيش حياة أخلاقية واعية مع الإقرار بالجوانب الأخرى الغنية وغير العقلانية التي تشكل كينونتنا الإنسانية. يتبع ...
