أصل الإنسان بين العلم والقرآن

أصل الإنسان بين العلم والقرآن اعداد خديجة إبراهيم يُعدّ سؤال أصل الإنسان من أعمق الأسئلة التي شغلت الفكر الإنساني عبر العصور: هل الإنسان نتاج تطور بيولوجي طويل كم…

مؤتمر الإسلام الديمقراطي
المؤلف مؤتمر الإسلام الديمقراطي
تاريخ النشر
آخر تحديث


 أصل الإنسان بين العلم والقرآن

اعداد خديجة إبراهيم
يُعدّ سؤال أصل الإنسان من أعمق الأسئلة التي شغلت الفكر الإنساني عبر العصور: هل الإنسان نتاج تطور بيولوجي طويل كما يرى علماء الطبيعة كداروين ولا مارك وغيره، أم أنه خُلق من تراب خلقًا خاصاً كجنس بشري مستقل ومتميز عن جميع المخلوقات الأخرى كما نراه من قراءتنا لآيات القرآن الكريم؟
ومع تطور العلوم الحديثة، ازداد النقاش حول العلاقة بين التفسير العلمي للوجود والحوادث الطبيعية وبين الرؤية التأويلية للآيات القرآنية، وهل هما في تعارض أم في تكامل.
يقدّم القرآن الكريم تصورًا واضحًا لخلق الإنسان، إذ يبيّنه مخلوقًا مكرمًا ذا خصوصية، خُلق ابتداءً من طين ثم مرّ بمراحل دقيقة داخل الرحم، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾.
كما يؤكد القرآن كرامة الإنسان ومكانته الخاصة بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وهو تكريم يدل على أن الإنسان ليس كائنًا بيولوجيًا عاديًا، بل مخلوق له غاية ورسالة.
وفي المقابل، يدرس العلم الحديث أصل الإنسان من زاوية مادية، فطرح نظرية التطور وركّز على دراسة الجينات، مشيرًا إلى تشابه كبير في الحمض النووي بين الإنسان وبعض الكائنات الأخرى. غير أن هذه التفسيرات تبقى نماذج علمية قابلة للتطوير والتعديل، كما هو حال كثير من النظريات العلمية عبر التاريخ.
وعند المقارنة بين الرؤيتين، لا يظهر تعارض حتمي بين القرآن والعلم الذي توصل إليه الإنسان نفسه؛ فهذا العلم يصف العمليات الحيوية ضمن قوانين الطبيعة، بينما يقدّم القرآن الإطار الأشمل للخلق والمعنى والغاية. وقد يلتقي الطرفان في بعض الجوانب، مثل مراحل تكوّن الجنين، وقد يختلفان ظاهرياً في قضايا أخرى، أبرزها مسألة التطور الكامل للإنسان من كائنات أخرى، ولكن يمكن النظر إلى هذه المسألة من زاوية توفيقية؛ فقبل آدم – وفق الرؤية العلمية – وُجدت كائنات بشرية قريبة الشبه بالإنسان الحالي، تطورت تدريجيًا ولكنها كانت بلا تكليف ديني، ثم جاء الأمر الإلهي بتكليف آدم (عليه السلام) بمهمة الخلافة في الأرض كما في قوله سبحانه وتعالى:ِِ ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِلࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ قَالُوۤا۟ أَتَجۡعَلُ فِیهَا مَن یُفۡسِدُ فِیهَا وَیَسۡفِكُ ٱلدِّمَاۤءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّیۤ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة:30].
هذا التكليف بدأ بعد أن نفخ الله فيه من روحه فجعله سميعاً بصيراً، فكان أول إنسان عاقل مكلّف مسؤول. وبعد آدم بدأ التاريخ الإنساني الحقيقي، حيث ظهرت اللغة الواعية، والأخلاق، والشرائع، وتحمل الإنسان مسؤولية الاستخلاف في الأرض.
خلاصة القول، إن العلم لا يتعارض مع القرآن الكريم سواء في مسألة خلق الإنسان أو أصله، فالقرآن هو كلام الله عالم الغيب والشهادة، والعلم البشري يمثل قدرة الإنسان النسبية والمحدودة للوصول إلى الحقائق العلمية التي أقرها الله في القرآن الكريم. والإنسان بما يمتلك من العلم سوف يستمر في البحث عن الحقيقة، قد يصيب أو يخطئ أحياناً في أبحاثه العلمية، بينما يظل القرآن مرجعًا لفهم الغاية والكرامة والمعنى. ومن خلال هذا التكامل، تتشكل رؤية متوازنة تجمع بين العقل والإيمان في البحث عن الحقيقة.

تعليقات

عدد التعليقات : 0