ماهية التسبيح

ماهية التسبيح إعداد: شيرين كوسا يتردد التسبيح على ألسنة المؤمنين صباح مساء، حتى صار عند الكثيرين مجرد لفظ مألوف يُقال دون وعي وفهم، فمع كثرة الترديد، غاب السؤال ا…

مؤتمر الإسلام الديمقراطي
المؤلف مؤتمر الإسلام الديمقراطي
تاريخ النشر
آخر تحديث


 ماهية التسبيح

إعداد: شيرين كوسا
يتردد التسبيح على ألسنة المؤمنين صباح مساء، حتى صار عند الكثيرين مجرد لفظ مألوف يُقال دون وعي وفهم، فمع كثرة الترديد، غاب السؤال الجوهري والمعنى الحقيقي للتسبيح.
فهل قصد به القرآن ذكراً صوتياً، أم حقيقة أعمق تتصل بوظيفة الوجود نفسه؟
{یُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَمَا فِی ٱلۡأَرۡضِ} الجمعة: 1
{وَإِن مِّن شَیۡءٍ إِلَّا یُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِ} الإسراء: 44
القرآن يتصف بالشمولية والآية لا تستثني شيئاً لا العاقل ولا غير العاقل، لا الحي ولا ما نعدّه جماداً، فلو كان التسبيح مجرد قول باللسان، لاستحال عقلاً أن يشمل كل شيء.
{لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِیحَهُمۡۚ} الاسراء: 44
والقرآن يضيف قيداً حاسماً: حيث لم يقل لا تسمعون بل قال: لا تفقهون، والفقه في القرآن الكريم هو فهم عميق، وهذا يعني أن الكائنات تسبح وهو موجود وقائم، لكن لا يُدرك بالحواس، بل بالعقل الذي يقرأ النظام والسنن.
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ یُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّیۡرُ صَـٰۤفَّـٰتࣲۖ} النور: 41
فالله تعالى يشير إلى الهيئة والوظيفة لا إلى الصوت، فالطير يسبح بقدرة الله على الطيران داخل قوانين دقيقة لا يختل بها الميزان.
{یَـٰجِبَالُ أَوِّبِی مَعَهُۥ وَٱلطَّیۡرَۖ} سبأ: 10
الجبال لا تنطق بل وظيفتها الثبات والاتزان، وهذا هو تسبيحها العملي، وكذلك الرعد {وَیُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِ} الرعد: 13، فالرعد تفريغ منظم للطاقة، يحفظ التوازن الكوني، لا نشيداً صوتياً.
وأخيراً يضع القرآن القاعدة الجامعة: {كُلࣱّ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِیحَهُۥۗ} النور: 41
فالتسبيح يصبح مرادفاً للإنسجام مع السنن لا للخروج عنها.
أما عن تسبيح الإنسان: {فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡه} النصر: 3
الإنسان هو الكائن الوحيد الذي قد يعرف وظيفته ثم لا يؤديها، لذلك كان تسبيحه أخطر وأثقل، وتسبيحه في القرآن مقرون بالفعل، أي يجب عليه أن يصحح تصوره عن الله، ثم يصحح سلوكه في الأرض فيجب أن يحقق العدل لأنه ينزه الله عن الظلم، وأن يعقل لأنه ينزه الله عن العبث، وأن يصلح لأنه ينزه الله عن الفساد.
فالتسبيح في القرآن ليس ذكراً يردد، بل وظيفة تؤدى، وهي شهادة عملية من كل كائن بأن خالقه حكيم، وأن هذا الوجود لم يبن على العبث، فالكون كله يسبح لأنه يعمل بانضباط، والإنسان يحاسب لأنه قد يخرج عن هذا الانضباط، وحين يُختزل التسبيح في اللسان ويفصل عن العدل والعقل والإصلاح يفقد معناه القرآني، ويصبح عادة لا عبادة، فالتسبيح الحقيقي هو أن يعيش الإنسان في انسجام مع مهمته في الأرض.

تعليقات

عدد التعليقات : 0