(في ميزان القرآن)
جذور المشكلة: ما من جريمة أشد عند الله من جريمة تشويه مبادئ الديّن ومفاهيم الشرع وغاياته الكبرى ومقاصده العظمى، والدين قد جاء رحمة للعالمين كلهم، كافرهم ومسلمهم، مخالفهم لمنهج الله ومتبعهم لهديه.
وهنا لا بد من طرح السؤال التالي: هل المشكلة تكمن فقط في تكفير تلك المنظمات الجهادية لغيرها من الأفراد والشعوب والأديان وأنظمة الحكم وغيرها..؟ أم أن المشكلة أبعد من ذلك بكثير؟
للأسف، هناك من يظن أن المشكلة تكمن فقط في الفكر الإسلامي التكفيري، ولذلك تجد جل اهتمام الباحثين موجه نحو هذه المسألة وكأنها السبب الرئيس في تشويه الدين الإسلامي أمام المجتمعات المتحضرة.
ولكن بالعودة إلى كتاب الله (القرآن الكريم) الذي جعله الله شرعة ومنهاجاً للمسلمين المؤمنين بهذا الدين، نجد أن الله قد قسم الناس إلى مؤمنين وكافرين، وهذا من بديهيات العقيدة الفكرية والتشريعية في دين الله، ولكنه في الوقت نفسه أكد على حرية العقيدة كما في قوله عز وجل: {لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ} [البقرة:256].
فالإيمان هو ابتلاء واختبار للإنسان الذي اختار الإيمان بكامل إرادته الحرة التي منحها الله له في هذه الدنيا، وكذلك الكفر هو أيضاً ابتلاء واختبار للإنسان الذي اختار الكفر بكامل إرادته الحرة التي منحها الله له في هذه الدنيا، كما في قوله عز وجل: { وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ} [الكهف:29].
هذا هو الميزان الذي وضعه الله للأنام في هذه الدنيا الفانية، ولا يحق لمخلوق أن يطغى على هذا الميزان، فيجعل من نفسه وكيلاً على الناس وبديلاً عن الله، واضعاً لنفسه ميزاناً آخر يحكم به على كل كافر بالقتل أو الاستسلام، جاعلاً من نفسه شريكاً لله في هذا الحكم.
إذاً، فلا توجد أية مشكلة لدى الإنسان المؤمن بدين الله (الإسلام) مع الإنسان الكافر بهذا الدين سواء جزئياً أو كلياً، لأن ذلك ليس من شأن الإنسان، كونه ليس وكيلاً لله على الناس، فالله وحده وكيل على جميع عباده، وحسابهم عند ربهم يوم القيامة.
بل يقع على الإنسان المؤمن مهمة إضافية وهي دعوة الناس جميعاً إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومخاطبتهم بالتي هي أحسن، حتى وإن كلفه ذلك مشاكل جمة ناتجة عن قيامه بهذا الواجب الديني الذي كلفه الله به.
إذاً فالمشكلة لا تكمن في التوصيف العقائدي للدين الإسلامي من خلال فرز الناس إلى مؤمنين وكافرين بدين الله، بل تكمن في ابتداع عقيدة فقهية منحرفة، ترى في قتل الكافر أو المرتد من أهم القربات إلى الله، وهنا تكمن خطورة التكفير عند هذه المنظمات الجهادية التكفيرية.
وهنا لا بد من البحث في جذور هذه العقيدة التكفيرية، التي عطلت المفاهيم الإسلامية الرحمانية الاختيارية التي سنها الله للبشر في الحياة الدنيا، ليبلوهم أيهم أحسن عملاً، وحرّفتها إلى مفاهيم جبرية قائمة على الإكراه، وجعلت من الإسلام دين الحرب والرعب والخوف والإرهاب والظلمات بدلاً من دين السلم والسلام والرحمة والأمان والنور.
ولمعرفة جوهر المشكلة التي أدت إلى تحريف مسار المسلمين عن الصراط المستقيم بعد وفاة الرسول الأمين، ليس أمامنا سوى البحث في التاريخ الإسلامي بكل حيادية وعقلانية، بعيداً عن العواطف. وهنا سوف نلاحظ أن فتح مكة يشكل مفترق طرق في مسار الدين الإسلامي، حيث دخل الناس في دين الله أفواجاً، ودخل معهم الطلقاء أيضاً، منهم من آمن حقاً ومنهم من دخل الإسلام نفاقاً للعمل على الانتصار لأنفسهم من داخل الإسلام نفسه.
فبعد أن خسر هؤلاء العرب المشركون معركتهم العلنية ضد المسلمين، لم يبق أمامهم سوى الدخول في هذا الدين الجديد واستغلاله لخدمة مصالحهم الدنيوية.
ومنذ ذلك الحين بدأ هؤلاء الطلقاء بالتخطيط لهذا المشروع والعمل على إنشاء دين مفصّل على مقاسهم، وبعد وفاة النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) بدأ الإسلام السياسي الدنيوي يظهر للعلن شيئاً فشيئاً، ليحل محل دين الله الذي جاء رحمة للعالمين، فجعلوه نقمة على العالمين.
هذه هي جذور المشكلة التي أدت إلى انحراف المسلمين عن الصراط المستقيم، وجعلتهم شعوباً متخلفة جاهلة مقلدة بعقول جامدة متحجرة، تبكي على الأمجاد الوهمية لتاريخ مشوه، يحلمون به ويتمنّون عودته، فكانت خلافة "داعش" هي بحق نموذجاً تطبيقياً لذلك العصر الذهبي والحلم الجميل المرسوم في مخيلتهم، والذي انكسر على أرض الواقع وتلاشى أمام الحقيقة.