التفضيل بين الأولاد وتأثيره على السلوك
إعداد خديجة إبراهيم
قد يظن بعض الآباء والأمهات أن التمييز بين الأبناء أمر بسيط أو قد يكون غير مقصود، إلا أن هذا السلوك يترك أثرًا عميقًا في نفس الطفل، قد يرافقه لسنوات طويلة. فالتفاصيل الصغيرة، ككلمة لطيفة لأحد الأبناء، أو اهتمام زائد بآخر، أو حتى مقارنة عابرة، تحمل معاني كبيرة في وجدان الطفل، وتشكل أساس نظرته لنفسه ولمن حوله.
عندما يشعر الطفل بأنه أقل حبًا أو اهتمامًا، تبدأ داخله أفكار سلبية مثل: “أنا لست مهمًا”، أو “غير محبوب مثل غيري”. هذه القناعات لا تبقى مؤقتة، ولكن قد تتراكم مع الزمن، وقد تؤدي إلى ضعف الثقة بالنفس، واضطراب في العلاقات، وتكوين شخصية غير متوازنة تميل إلى الانطواء أو الغضب.
وقد نبّه الإسلام إلى خطورة التمييز بين الأبناء، حتى في أبسط التصرفات اليومية التي قد يظنها البعض عادية، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أن رجلًا رفع ابنه وأجلسه في حجره دون ابنته، فعاتبه النبي ﷺ قائلًا: “ألا سويت بينهما؟”، في إشارة واضحة إلى ضرورة العدل حتى في مظاهر الحنان والاهتمام.
كما ورد عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن أباه أراد أن يخصه بعطية دون إخوته، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال له: “أَكُلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟” قال: لا، فقال ﷺ: “فاتقوا الله واعدلوا في أولادكم”، وفي رواية: “فإني لا أشهد على جور”، مما يدل على أن التفضيل بين الأبناء يُعد ظلمًا لا يقرّه الإسلام.
ويُعد العدل بين الأبناء من المبادئ الأساسية في التربية السليمة، وهو ليس خيارًا، بل مسؤولية أخلاقية وتربوية. قال الله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾
فالعدل لا يقتصر على الأمور المادية، بل يشمل المشاعر والاهتمام والتقدير.
وقد ورد في السيرة القرآنية مثال واضح على حساسية هذا الموضوع، في قصة نبي الله يعقوب عليه السلام مع أبنائه، حيث أدى شعور بعض الإخوة بتفضيل أخيهم عليهم إلى تولّد الغيرة والحزن في قلوبهم، كما جاء في قوله تعالى:
﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا﴾
وهذا يبيّن كيف أن الإحساس بعدم المساواة، حتى في وجود المحبة، قد يترك آثارًا سلبية عميقة في نفس الأبناء.
وتتعدد صور التمييز داخل الأسرة، فقد يظهر في تفضيل الذكور على الإناث، وهو نمط لا يزال قائمًا في بعض المجتمعات رغم التقدم. كما قد يتم تفضيل الابن الأكبر أو الأصغر ومنحه مكانة خاصة على حساب بقية الإخوة، مما يزرع الغيرة والشعور بالظلم بينهم. كذلك، قد يُلاحظ تفضيل الطفل الأجمل أو الأكثر جاذبية، حيث يُمنح اهتمامًا أكبر، في حين يُهمل الآخرون، ما يؤدي إلى ضعف تقدير الذات لديهم.
إن هذه الأنماط من التمييز، وإن بدت غير مقصودة، تترك آثارًا نفسية وتربوية عميقة، وقد تؤثر على استقرار العلاقات داخل الأسرة، بل وتمتد إلى المجتمع ككل.
ومن جهة أخرى، وعندما يكون الطفل وحيدًا فإن المبالغة في تدليله تمثل شكلًا آخر من أشكال الخطأ في التربية، إذ ينشأ معتادًا على تلبية جميع رغباته دون حدود، مما قد ينعكس سلبًا على شخصيته، فيصبح أقل تحمّلًا للمسؤولية وأكثر اعتمادًا على الآخرين.
في الختام، لا يحتاج الطفل إلى الكثير بقدر حاجته إلى الشعور بأنه محبوب ومقبول كما هو، دون مقارنة أو تفضيل. فالتربية السليمة تقوم على العدل في المشاعر قبل أي شيء آخر، لأن أي نقص في الحنان قد يتحول مع الوقت إلى جرح داخلي يصعب علاجه
