عبدالباري
أحمه
مازال الخلاف والاختلاف قائماً بين التيارات
الدينية التي تدعي بأنها أكثر ديمقراطية من الذين يرفعون الشعارات الديمقراطية في
العالمين الإسلامي والعربي، وبين التيارات السياسية والأيديولوجية التي ترى بأنها
تعمل وتسعى إلى بناء مجتمع ديمقراطي بعيداً عن الدين والمتدينين، ووفق عشرات
المصطلحات والتعاريف للديمقراطية فهي حمالة أوجه، فلكل دولة وحزب وفلسفة ودين
مفهوم ديمقراطي خاص بها، وهي من تملك الأدوات المناسبة لتطبيق الشكل المناسب
للديمقراطية في دولتها.
فالعالم الإسلامي برمته يفتقد للديمقراطية كسلوك
وممارسة، ويعود هذا الفقد إلى أسباب تاريخية وثقافية واقتصادية واجتماعية، هذه
الأسباب مجتمعة ومنذ مئات السنين ساهمت بشكل كبير في تغييب أنظمة سياسية
ديمقراطية، بالمقابل لم تعمل التيارات الدينية على كسب ثقة الناس بأنها سوف تحقق
الديمقراطية حين تستأثر بالسلطة، وبالتالي لا التيارات الدينية ولا السياسية تحمل
في جعبتها مفاهيم ديمقراطية كونها تعمل في ظل دولة دكتاتورية، ونظام قمعي وشمولي،
وما يجعل هذا النظام الدكتاتوري قائماً وبقوة هو دعم ومساندة القوى الكبرى لها
خوفاً من استحواذ تلك التيارات السياسية أو الإسلامية بالسلطة.
والسؤال الذي يهمنا جميعاً هل الإسلام يدعو
للديمقراطية؟
لنبدأ من النص القرآني الذي يتصف بالمطلق
والشمولي، كما في قوله ﷻ: {وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَیۡنَهُمۡ}[الشورى:38].
وقوله: {لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ}[البقرة:256].
إلا أن النص القرآني الثابت يحمل في
طياته أشكالاً متنوعة وكثيرة من التأويل والتفسير، هذه الاشكال المتنوعة لا تتفق
بالضرورة على صياغة تفسير واحد لشكل واحد من الديمقراطية، فهي تختلف باختلاف
توجهاتها السياسية والمذهبية والاجتماعية، فهناك المتطرف و الوسط، والمتعصب،
والمتجدد، فالكل يستخرج من القرآن ما يناسب رؤيته وواقعه، أما سبب هذا الخلاف المتجذر
والجوهري بين التيارات الإسلامية والفرق والمذاهب أنهم يخلطون بين قداسة النص، وبين
الأفكار المستنبطة من النص، فالنص مقدس ولا يمكن المساس به، بينما استنباط الأفكار
من هذا النص المقدس فهي مسألة دنيوية وسياسية.
فمن ديمقراطية أثينا -ولسنا بصدد تبيان النواقص
فيها- إلى ديمقراطية أوروبا بعد عصر النهضة حتى بداية القرن العشرين، والتي سميت
بديمقراطية الطبقات، إلى ديمقراطية الإسلام بشقيها السياسي والقرآني، ففي البدء لا
يمكن نكران الديمقراطية في القرآن، إلا إن الإسلام السياسي خرج من دائرة تلك
الديمقراطية بفرض الدين على الشعوب الأخرى، هذه الحقيقة تختلف عن الديمقراطية التي
مارسها محمد صلى الله عليه وسلم خلال تواجده في المدينة، وبعض السنوات من خلافة
أبي بكر وعمر، فيما بعد تحولت الديمقراطية في عهد معاوية بن أبي سفيان وكل الخلفاء
الأمويين ومن ثم العهد العباسي وأخيراً المرحلة العثمانية، في هذه المراحل والعهود
سميت السلطة بالملك العضوض، ففي هذه الفترة الزمنية الطويلة شارك الخلفاء والحكام
والولاة وكثير من الفقهاء ورجال الدين في إفساد مفاهيم الديمقراطية التي أقر بها
القرآن.
بناءً
على ما تقدم، يتضح أن موضوع "الديمقراطية في الإسلام" يتجاوز مجرد
المقارنة النظرية إلى ضرورة التطبيق العملي. إن المستقبل يتطلب منا تجاوز الخلافات
العقيمة، والعمل على صياغة "ديمقراطية إسلامية" تجمع بين ثوابت الدين
المرنة وآليات الديمقراطية المعاصرة. فالتجربة الإنسانية في الحكم تتطور باستمرار،
والإسلام بمرونته وصلاحيته لكل زمان ومكان، قادر على استيعاب أفضل ما أنتجته
البشرية لخير الإنسان وسعادته.
