مسائل فقهية برؤية معاصرة في ميزان القرآن

مسائل فقهية برؤية معاصرة في ميزان القرآن محمد خليل تمو مقدمة عامة : من أهم الإشكاليات التي تقف حجرة عثرة أمام تطور الفقه الإسلامي هي النظر إلى الفقه التراثي …

مؤتمر الإسلام الديمقراطي
المؤلف مؤتمر الإسلام الديمقراطي
تاريخ النشر
آخر تحديث


 

 مسائل فقهية برؤية معاصرة في ميزان القرآن

محمد خليل تمو

مقدمة عامة: من أهم الإشكاليات التي تقف حجرة عثرة أمام تطور الفقه الإسلامي هي النظر إلى الفقه التراثي بقدسية غير قابلة للنقد، واعتباره دين الله وسنته التي لا تتبدل ولا تتحول، وجعله بديلاً عن كتاب الله ومهيمناً عليه.

والإشكالية الثانية تكمن في النظر إلى الصحابة والتابعين وفقهاء التراث الإسلامي وآرائهم الفقهية بقدسية غير قابلة للنقد وكأنهم معصومون من الأخطاء، وبالتالي فكل من ينتقدهم أو ينتقد فتاواهم بحرف يعتبر في نظر بعض الفقهاء التقليديين زنديقاَ ومتآمراً على الإسلام والمسلمين.

والإشكالية الثالثة تكمن في الرؤية التقليدية للقرآن العظيم باعتباره مصدراً من مصادر التشريع الإسلامي الكثيرة التي اعتمد عليها الفقهاء التراثيون في تشريعاتهم، لا بل أن التشريع القرآني لا يشكل عندهم أكثر من ربع التشريع الذي اعتمده هؤلاء الفقهاء.

أما الإشكالية الرابعة فهي تكمن في تعطيل الكثير من آيات الأحكام العامة القرآنية بدعوى أنها منسوخة بآيات أخرى أو بأحاديث منسوبة للنبي محمد ﷺ. وكذلك الادعاء بوجود آيات قرآنية منسوخة تلاوة وناسخة حكماً، كآية الرجم المزعومة على سبيل المثال. كما تم إخراج آيات قرآنية كثيرة عن سياقها الزمكاني الخاص بجعلها آيات عامة صالحة لكل زمان ومكان، كما في قوله ﷻ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}[1]

وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}[2]

حيث يتم الاستشهاد بهاتين الآيتين وغيرهما من الآيات القرآنية الزمكانية على أنها موجهة إلى المسلمين المؤمنين برسالة الإسلام في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة، وبذلك فقد أخرجوا تلك الآيات من سياقها التاريخي زمانياً ومكانياً واعتبروها آيات عامة ومطلقة كتلك الآيتين على سبيل المثال، وجعلوهما دليلاً على أن القرآن بحاجة إلى السنة وليس العكس.

والأخطر من كل ذلك هو تحويل هذا الفقه الإسلامي "الاجتهادي" إلى سلاح فتاك بيد السلاطين، الذين جعلوا من أنفسهم مشرعين وخلفاءً لله على الأرض بتسميات مختلفة كالخليفة والسلطان والحاكم بأمر الله، وأن أمرهم مطاع كأمر الله ورسوله.

حدث كل ذلك بعد أن تحول ولي الأمر من خادم للمسلمين إلى الحاكم باسم الله على الأرض تحت شعار "حاكمية الله"، ولم يكن ذلك ممكناً إلا بعد أن تحول بعض علماء الدين إلى فقهاء السلاطين ليكونوا سنداً شرعياً لهم لتبرير أقوالهم وأفعالهم وتثبيت عروشهم.

ومن يدرس التاريخ الإسلامي بشكل محايد خلال فترة حكم الأمويين ثم العباسيين، يلاحظ بسهولة مدى تدخل السلطة السياسية في عمل الفقهاء، وقيام بعض هؤلاء السلاطين الذين كانت الدنيا أكبر همهم، بتكليف بعض الفقهاء للقيام بإنشاء فقه إسلامي على مقاسهم مستندين على قصص وروايات وأحاديث ظنية الثبوت والدلالة، وجعلها المصدر الأساسي للتشريع، باعتبارها وحياً ثانياً كالقرآن الكريم، وشارحاً ومفصلاً ومكملاً للقرآن - حسب رأيهم - واعتبار القرآن يتكون من ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه، وأنه حمال أوجه..

أما القرآن العظيم، فقد حصروه في التجويد والتلاوة على الموتى أو التعليق فوق رؤوس المرضى، وبذلك فقد تحقق قول الله فيهم على لسان رسوله: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}[3] 

ولا شك أن هدف السلاطين من وراء ذلك كان لخدمة سلطتهم ومصلحتهم الدنيوية باسم الدين، جاعلين من تلك الفتاوى سنداً شرعياً لتثبيت عروشهم، فكانت النتيجة هي وصول هذا الفقه التراثي إلينا بغثه وسمينه كمحصلة نهائية ورثناه من أسلافنا عبر ذلك التاريخ الطويل الذي تجاوز عمره أكثر من ألف وأربعمائة عام. فكان من الطبيعي أن يحتوي هذا الفقه التراثي على بعض الأحكام والحدود التشريعية الجائرة التي ما أنزل الله بها من سلطان، والتي سوف نتناول بعضها في هذا البحث..

يتبع..

 



[1] [الحشر:7]. هذه الآية نزلت في تقسيم الغنائم.

[2] [النساء:59].

 

[3] [الفرقان:30].

تعليقات

عدد التعليقات : 0