التصوف والشريعة
إعداد خديجة إبراهيم
منذ أن بعث الله النبي محمد ﷺ، جاء الإسلام بمنهج متكامل ينظم حياة الإنسان في عقيدته وعبادته وأخلاقه ومعاملاته. وقد سمى الله هذا المنهج الشريعة، وهي الطريق الذي رسمه الله لعباده ليحققوا العدل والرحمة والهداية في الدنيا، والفوز في الآخرة. قال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا﴾ [المائدة: 3]
هذه الآية تدل على أن الدين قد اكتمل، فلا يحتاج إلى تشريع جديد أو زيادة من البشر.
أما الطريقة، فهي في اللغة تعني السبيل أو المنهج الذي يسلكه الإنسان للوصول إلى غاية معينة. وفي الإسلام يقصد بها المنهج العملي الذي يساعد المسلم على تطبيق الشريعة، وتزكية نفسه، والالتزام بأوامر الله واجتناب نواهيه. لذلك فالأصل أن تكون الطريقة خادمة للشريعة، لا بديلًا عنها ولا مقدمة عليها.
العلاقة بين الشريعة والطريقة علاقة تكامل؛ فالشريعة تبين للإنسان ما أحله الله وما حرمه، وما أمر به وما نهى عنه، أما الطريقة فهي الكيفية التي يحول بها المسلم هذه الأحكام إلى واقع في حياته. فالشريعة تأمر بالصدق والأمانة والإحسان والصلاة، والطريقة الصحيحة تساعد الإنسان على تربية نفسه حتى تصبح هذه القيم جزءًا من سلوكه اليومي.
في بدايات ظهور حلقات العلم والتربية، كان العلماء والشيوخ يقومون بدور مهم في تعليم الناس القرآن الكريم والسنة النبوية، وتفسير الأحكام الشرعية، وتربية المسلمين على الأخلاق والعبادة. وكان الناس يقصدونهم ليتعلموا دينهم، لأن كثيرًا منهم لم يكن يستطيع الوصول إلى العلم مباشرة، فكان الشيخ معلمًا ومرشدًا، يدعو الناس إلى التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، لا إلى اتباع شخصه.
ومع مرور الزمن، وفي بعض البيئات، بدأ هذا الدور يتغير تدريجيًا. فتحولت العلاقة عند بعض الأتباع من علاقة طالب بمعلمه إلى علاقة يغلب عليها التقديس والتسليم المطلق. وأصبح بعض الناس يربطون الدين بشخص الشيخ أكثر من ربطه بالقرآن والسنة، حتى إن أقوال الشيخ عندهم لا تُناقش، وصارت مكانته عند بعضهم أعلى من الرجوع المباشر إلى النصوص الشرعية.
وإذا كان الإسلام لم يجعل العصمة لأحد من العلماء أو الشيوخ، حتى رسول الله ﷺ لم يكن يدعو الناس إلى تعظيم شخصه، بل إلى طاعة الله واتباع وحيه. فقد كان بشرًا اصطفاه الله بالنبوة، واختاره ليبلغ رسالته إلى الناس، ولم يكن إلهًا ولا يملك من أمر الغيب شيئًا إلا ما أوحى الله إليه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾[سورة الكهف: 110]
فالرسول ﷺ تميّز عن سائر البشر بالوحي والرسالة، أما في أصل بشريته فهو بشر مثل الناس، يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق. ولذلك كان المسلمون يتبعونه لأنه رسول الله الذي يبلغ الوحي، لا أنه يستحق العبادة. فإذا كان هذا هو مقام النبي ﷺ، فمن باب أولى ألا يُرفع أي شيخ أو عالم إلى منزلة يُقدَّم فيها قوله على كتاب الله وسنة رسوله، أو يتعلق به تعلقًا لا يليق إلا بالله سبحانه وتعالى
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود وسيلة تعين الإنسان على الطاعة، بل في أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن يصبح التعلق بالأشخاص أقوى من التعلق بالله وكتابه ورسوله. فعندما يُقدَّم كلام أي شيخ على القرآن والسنة، أو يُنظر إليه وكأنه لا يخطئ، يفقد الإنسان الميزان الذي أمره الله أن يحتكم إليه.
ولهذا فإن العودة إلى جوهر الإسلام لا تعني رفض كل وسيلة للتربية أو التعلم، وإنما تعني أن يكون القرآن الكريم والسنة النبوية هما المرجع الأعلى، وأن تُعرض عليهما جميع الأقوال والمناهج. فما وافقهما قُبل، وما خالفهما تُرك، لأن العصمة ليست لأحد بعد رسول الله ﷺ.
إن الإسلام دين يقوم على التوحيد الخالص، فلا يحتاج المسلم إلى وسيط بينه وبين ربه، لأن الله سبحانه قريب من عباده، يسمع دعاءهم ويجيبهم إذا دعوه بإخلاص. كما في قوله عزّ وجلّ: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ [البقرة: 186]
ومن هنا، فإن قوة المسلم ليست في الانتماء إلى شيخ أو جماعة أو طريقة، وإنما في صدق إيمانه، وتمسكه بكتاب الله، واتباعه لسنة نبيه ﷺ.
ولهذا فإن مسؤولية كل مسلم هي أن يراجع دينه دائمًا في ضوء القرآن والسنة، وأن يحرص على أن تكون الطريقة التي يسير عليها وسيلة تقربه من الله، لا سببًا يبعده عن جوهر الإسلام، الذي أساسه التوحيد، والإخلاص، وعبادة الله وحده لا شريك له، نزولاً لأمر الله ﷻ: ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾ [الجن: 18].
#مجلس #المرأة #بمؤتمرالإسلام #الديمقراطي
