الخطاب الديني بين الإصلاح والاستغلال- رؤية شرعية
دلال خليل
يُعد
الخطاب الديني من أهم الوسائل المؤثرة في بناء الوعي الديني والفكري وتوجيه سلوك
الأفراد والمجتمعات لأنه يستمد قوته من ارتباطه بالوحي ومكانته في نفوس المسلمين.
ولذلك فإن سلامة هذا الخطاب تنعكس على استقرار المجتمع وتحقيق مصالحه بينما يؤدي
انحرافه عن مقاصده إلى آثار فكرية واجتماعية قد تمس الدين والإنسان معًا. ولهذا
اهتمت الشريعة الإسلامية بضبط الخطاب الديني وربطه بالعلم والحكمة والدليل حتى
يبقى معبرًا عن مقاصد الإسلام في الإصلاح والهداية.
وقد
أقام الإسلام منهجه على الجمع بين الوحي والعقل فلم يجعل الإيمان قائمًا على
التقليد المجرد وإنما دعا إلى النظر والتفكر والتدبر في آيات الله الكونية
والشرعية قال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد: 24] وقال
سبحانه: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ [الزمر: 9].
وفي
مقابل هذا المنهج قد يظهر خطاب ديني يتجاوز المقاصد الشرعية ويتخذ من الدين وسيلة
لتحقيق مصالح سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية فيعتمد على إثارة العاطفة أكثر من
اعتماده على الدليل ويغيّب الوعي ويعزّز الجمود الفكري ويكرّس التعصب، وهو ما يؤدي
إلى تشويه صورة الدين وإضعاف دوره الإصلاحي. وقد حذر القرآن الكريم من هذا المسلك
فقال تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون﴾ [البقرة: 42]
كما قال النبي ﷺ «من غش فليس مني» (رواه مسلم) وهو أصل عام في تحريم كل صور
التضليل والخداع سواء كانت في المعاملات أو في تبليغ الدين وبيان أحكامه.
وانطلاقًا
من ذلك فإن حماية المجتمع من الانحراف في الخطاب الديني لا تتحقق بمجرد نقد
الخطابات المنحرفة وإنما تتحقق بنشر العلم الشرعي الصحيح وتعزيز التفكير النقدي
المنضبط بالكتاب والسنة والرجوع إلى العلماء الراسخين في العلم لأن الوعي يمثل خط
الدفاع الأول في مواجهة الاستغلال الفكري. وقد أكد ابن عاشور أن من أعظم مقاصد
الشريعة حفظ نظام الأمة واستقامة أحوالها بما يحقق مصالحها العامة ويصون وحدتها
(مقاصد الشريعة الإسلامية ص 177).
ومن
هذا المنطلق نشأ الاتجاه الإصلاحي في الفكر الإسلامي الذي يرى أن فهم النصوص
الشرعية ينبغي أن يكون في ضوء مقاصد الشريعة وقواعدها الكلية مع مراعاة تغير
الأحوال وتجدد الوقائع دون الإخلال بثوابت الدين أو نصوصه القطعية. ويؤكد هذا
الاتجاه أن الاجتهاد المنضبط ضرورة شرعية لتحقيق مصالح العباد لأن الشريعة جاءت
لتحقيق المصالح ودرء المفاسد وهو ما قرره الإمام الشاطبي بقوله: “إن الشريعة إنما
وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل” (الشاطبي الموافقات 2/8).
ولا
يقتصر الخطاب الديني الرشيد على نقل الأحكام الشرعية فحسب بل يتجاوز ذلك إلى بناء
الإنسان الواعي الذي يمتلك القدرة على التمييز بين النص الشرعي الصحيح وبين الفهم
الخاطئ له، لأن مقاصد الشريعة لا تتحقق إلا إذا اجتمع العلم مع الفقه والوعي مع
الإخلاص. ولذلك أكد ابن القيم أن الشريعة كلها عدل ورحمة ومصالح وحكمة فما خرج عن
العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة فليس من الشريعة وإن
أُدخل فيها بالتأويل (ابن القيم إعلام الموقعين 3/11). ويكشف هذا الأصل عن أن
الخطاب الديني الذي يؤدي إلى نشر الكراهية أو تعطيل العقل أو استغلال الناس باسم
الدين يتعارض مع حقيقة الشريعة ومقاصدها.
وبالتالي
فإن الخطاب الديني الذي يلتزم بالدليل الشرعي ويراعي مقاصد الإسلام ويستجيب لحاجات
المجتمع في إطار الضوابط الشرعية يظل الأقدر على تحقيق رسالة الإسلام في الإصلاح
وبناء الإنسان وترسيخ قيم العدل والرحمة والعلم.
