إسلام الشعب وطريق الحرية

الإسلام الديمقراطي: إسلام الشعب وطريق الحرية عندما ظهر الإسلام على مسرح التاريخ، قدّم للإنسانية رسالة عظيمة تقوم على الحرية والعدالة. ففي مكة آنذاك، كان يسود نظام …

مؤتمر الإسلام الديمقراطي
المؤلف مؤتمر الإسلام الديمقراطي
تاريخ النشر
آخر تحديث


 الإسلام الديمقراطي: إسلام الشعب وطريق الحرية

عندما ظهر الإسلام على مسرح التاريخ، قدّم للإنسانية رسالة عظيمة تقوم على الحرية والعدالة. ففي مكة آنذاك، كان يسود نظام قبلي قائم على العبودية، وظلم النساء، واستغلال الفقراء والمحرومين، فأنزل الله القرآن ليعلّم الناس المساواة والتضامن والوقوف في وجه الظلم. لقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم إلى جانب الضعفاء لا الأقوياء، دافع عن حق الفقراء لا الأغنياء، وناصر العبيد ضد أسيادهم، والنساء ضد من كان يحتقرهن.

لكن مع مرور الزمن، استخدم الملوك والسلاطين الدين لمصالحهم الخاصة، فحوّلوا الإسلام من رسالة للحرية والعدالة إلى أداة لتثبيت سلطتهم وإدامة حكمهم. وهكذا أُفرغ الدين من جوهره، وصار غطاءً شرعياً للقصور والسلطنات. واليوم، نحن بحاجة إلى أن نستعيد المعنى الحقيقي للإسلام وأن نُحيي رسالته الأصيلة. من هنا تبرز أهمية فكرة "الإسلام الديمقراطي" التي طرحها المفكر عبد الله أوجلان، فهي استجابة حقيقية لهذه الحاجة، وتقدّم رؤية دينية تقوم على أخوّة الشعوب، وحرية المرأة، والعيش المشترك القائم على المساواة.

القرآن الكريم مليء بالآيات التي تؤكد أن الإسلام في جوهره يقف مع الشعب ومع قيم العدالة والحرية. يقول الله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ" (النساء 58). هذه الآية تضع قاعدة أساسية لكل نظام اجتماعي وسياسي: العدل. فلا يمكن أن يُقام مجتمع إسلامي حقيقي من دون عدالة.

ويقول تعالى أيضاً: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" (الحجرات 13). هذه الآية تنفي أي شكل من أشكال التفوّق العرقي أو القبلي أو الطبقي أو الجنسي، وتؤكد أن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في التقوى والعمل الصالح. وهذا المبدأ أساس من أسس المجتمع الديمقراطي.

كما يرفض القرآن الانحياز إلى الظالمين: "وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ" (هود 113). أي أن الوقوف مع الظالمين يجعل الإنسان شريكاً في ظلمهم، بينما جوهر الإيمان يتمثل في مقاومة الظلم والوقوف إلى جانب المظلومين. وهنا يظهر الإسلام كدين مقاومة، لا دين خضوع واستسلام.

ويقول تعالى عن الشورى: "وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ" (الشورى 38). هذه الآية تؤكد مبدأ المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات، وترفض الاستبداد أو حكم الفرد المطلق. فالشورى تعني أن الشعب هو صاحب الكلمة، وهذا عين ما تدعو إليه الديمقراطية الحقيقية.

أما عن مكانة المرأة، فيوضح القرآن بجلاء: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ" (التوبة 71). وهذا يعني أن النساء شريكات كاملات في الحياة، لهن نفس الحقوق وعليهن نفس المسؤوليات، ولا يمكن استبعادهن من المجتمع أو حصرهن في أدوار ثانوية. لذلك فإن تحرر المرأة هو شرط أساسي لتحرر المجتمع كله، وهو من ركائز الإسلام الديمقراطي.

كل هذه التعاليم تشير بوضوح إلى أن الإسلام لم يُخلق ليكون دين القصور والملوك، بل ليكون دين الفقراء والمظلومين والنساء والعبيد والعمال والكادحين. إنه دين الشعب، دين الحرية والعدالة. وفكرة الإسلام الديمقراطي كما يوضحها المفكر عبد الله أوجلان ليست شيئاً جديداً على الإسلام، بل هي عودة إلى جذوره الأصيلة، حيث يكون الدين في خدمة الشعوب لا في خدمة الحكام.

إن خلاص المجتمعات الإسلامية اليوم يكمن في العودة إلى هذه القيم الأصلية: مقاومة الظلم، إقامة العدل، تحقيق المساواة، جعل المرأة والرجل شريكين في بناء المجتمع. فإسلام قائم على الحرية والعدالة هو وحده القادر على إنارة طريق الشعوب نحو مستقبل أفضل.


لجنة الإعلام والنشر في مؤتمر الإسلام الديمقراطي لشمال وشرق سوريا

تعليقات

عدد التعليقات : 0