ما بعد الحداثة
ثورة على العقل
الكاتب * خالص مسور
يعتبر ما بعد الحداثة كتيار معرفي يتجاوز الحداثة التي هي اعظم حدث في
تاريخ الفكر الغربي وفي الحضارة الإنسانية على الصعيد الفلسفي والفكري عامة، وبما
أن العقل الغربي يمتاز بميزة أساسية وهامة وهي النقد ونقد النقد، ولذلك سندرس ما
بعد الحداثة بوصفها تيارا نقديا ومتجاوزا للحداثة. وحسب ابن عربي فإن كل حال يدوم
زمانين لا يعول عليه.
نشأت ما بعد الحداثة كرد فعل على قيم الحداثة وتقاليدها، وتتسم
بالتعددية والانفتاح ونبذ السرديات الكبرى، والإيمان بضمان حقوق الأقليات المشروعة،
وهي في هذه الحالة تشبه الإسلام الديمقراطي في بعض أجنداتها لدى المتنورين
الإسلاميين المعاصرين.
ظهر تيار ما بعد الحداثة في عام 1979م، وقد صاغها لأول مرة الفيلسوف
الفرنسي جان فرانسوا ليوتار، وهو أحد اقطاب هذا التيار وقد صاغها في كتابه الموسوم
بـ(الوضع ما بعد الحداثي)، لكن هناك من يرى بأن التيار ابتدأ عند الفرنسي رولان
بارت رائد البنيوية.
قدم ليوتار المبررات التي تدعو لتجاوز الحداثة فقد قال: إن مجتمعات ما
بعد القرن العشرين اصبحت مجتمعات متنوعة ولا يمكن لفلسفة واحدة أن تلم بهذه
المجتمعات واننا بحاجة إلى فلسفات مجتمعية ولهذا فقد نحت أهم عبارة له في هذا
الصدد بقوله: (موت السرديات الكبرى)، أي أن القرن العشرين شهد موت السرديات
الكبرى، لكن ما هي هذه السرديات؟ هي فلسفات شاملة تنضوي تحتها كافة المجتمعات مثل
الإشتراكية – المسيحية – الكانتية – الديمقراطية، وبذلك فهو ينقلنا إلى السرديات
الجزئية، وقد تعزى ما بعد الحداثة إلى الألسنية وخاصة ألسنية (دو سوسير) الذي قال
بالدال والمدلول، وإلى الألعاب اللغوية وحسب (فنكلشتن) فإن كل مجموعة من الناس
تمتلك الألعاب اللغوية الخاصة بها، وقال بأن الدال والمدلول لم تعد تعني فلسفات ما
بعد الحداثة لأن كل فئة اجتماعية اصبحت تمتلك لغة خاصة بها أي أن كل مجموعة بشرية
بدأت تمتلك الألعاب اللغوية الخاصة بها أي طريقة استعمال الكلمات اللغوية ومعانيها
التي بدأت تختلف باختلاف الأشخاص الناطقين بها فمثلا، الحلم((drem بالانكليزي هو غيرمعناه عند باقي الشعوب فنحن نستشف من الحلم مثلا
معنى المستقبل وما سيحدث من خلاله، وهو ما أدى حسب ليوتار إلى فصل الأنطولوجي
والاجتماعي مثله مثل اللهجات الكردية أيضا. فكثرة اللهجات تؤدي إلى التباعد
الاجتماعي، وهذه المجتمعات المنفصلة ولو لشعب واحد لا يمكن أن تضمها لعبة لغوية
واحدة.
وذلك فاهم مظهر من مظاهر الاختلاف الانطولوجي هو اختلاف الالعاب
اللغوية فمثلا من حيث تطور المعاني اللغوية اليوم نأتي بمثال كلمة /المدير/، فالكلمة
اليوم تدل في اللغة العربية على وظيفة محترمة بينما في السابق كان المدير يعني
موزع الراح والشراب.(1) وهنا تتحقق اشهر ما قاله ليوتار ومجموعة
الفلاسفة هو موت السرديات الكبرى، والمعنى من هذا هو اقصاء العقل بعدما كان العقل رمزالحداثة.
(1)
- الفيلسوف مدوح، مجدي
......................................................................
