الديمقراطية في القرآن
خالص مسور
الديمقراطية ظاهرة سياسية وشكل من أشكال الحكم، يشارك فيه جميع الشعب ممن يؤهلهم عمرياً، وترتكز الديمقراطية على الانتخابات لاختيار الحكام والمسؤولين لإدارة الدولة أو المجتمع، وفيها تنتفي الدكتاتورية وتأتي بالسلام والخير والعدالة السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
والديمقراطية بهذا المعنى تتوفر على تداول السلطة سلمياً ودورياً وبدون عنف أو إكراه، وهو مصطلح تمت صياغته من شقين: (ديموس) وتعني الشعب و(كريتوس) وتعني الحكم أي هو حكم الشعب نفسه بنفسه، ولا يتعارض حكم الشعب مع حكم الإسلام فهناك آيات كثيرات تشير إلى الديمقراطية دون أن تلفظ الاسم أو المصطلح:
ففي آية (لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِۖ قَد تَّبَیَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَیِّۚ) البقرة-256.
وآية (وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ) الكهف، الآية 29
وآية (وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَیۡنَهُمۡ) الشورى-38.
هذه الآيات هي أكثر ديمقراطية من الديمقراطية ذاتها، فالثراءات الدلالية للآيتين تدل على الاختيار بين الكفر والإيمان، فالإنسان غير مجبر أن يعتنق الإسلام إن كان له دين سماوي أو غير سماوي، وهو مخير أن يبقى على دينه، فنحن لا يحق لنا محاسبته على اختياره بل الله هو الذي سيحاسبه إن كان مخطئا في خياراته في يوم الحشر والميزان. وقد جاءت الآية الثانية بجملة (فمن شاء) وهي تفيد الاختيار بشكل صريح وواضح، ويشير القرآن إلى ذلك في مواضيع أخرى: (لَكُمۡ دِینُكُمۡ وَلِیَ دِینِ) الكافرون-6. بمعنى أن لكم جزاء أعمالكم ولي جزائي على عملي، فأنتم مسؤولون عن كفركم وأنا مسؤول عن إيماني، وقد حذفت الياء في (دين) للتخفيف.
فهذه الآيات تخير الناس في أديانهم ومعتقداتهم، فهل الديمقراطية أكثر تسامحاً من مضامين هذه الآيات؟ بل هي الديمقراطية ذاتها.
ولذلك نعلن هنا وبكل إصرار بأن القرآن ومنه الدين الإسلامي يحض على الخيار والتسامح والديمقراطية ولا تعارض بينهما يذكر، ومن حقنا كمسلمين أن نفتخر بأننا لسنا بعيدين عما يتطلبه العصر الحديث لندير أنفسنا وكياناتنا بالأسلوب الديمقراطي ولا حرج، حتى نعطي لآيات الله وحكمه فينا ما يستحق من تبجيل ومسايرة لروح العصر.
ومن قال بأن الديمقراطية يعارض القرآن هو إما غير راسخ في العلم أو يقولها لمصلحة شخصية لا تناسب سيرته الذاتية التي يريد التهرب منها.
أما آية (إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ )، بعضهم يفسرها بأنهم أهل الحل والعقد، فهذه تقربنا من الدكتاتورية، فقد يتفقون لمصالحهم، من يدري، فالله يقصد بالحكم لله مراعاة ما أنزل الله من أحكام وقواعد إسلامية وليس ليحمكم شعباً، بل الشعب هو الذي يقرر مصيره وليس أصحاب الحل والعقد، فهنا تضييق وعسر على الناس والله يريد اليسر، فنحن أدرى بشؤون دنيانا من أهل الحل والعقد، والله يريدنا أن نعمل ليرى أعمالنا ولنكون مسؤولين عنها يوم القيامة كما في قوله: (ثُمَّ جَعَلۡنَـٰكُمۡ خَلَـٰۤىِٕفَ فِی ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَیۡفَ تَعۡمَلُونَ) (سورة يونس 10:14).
إن تأسيس الديمقراطية يكون بترسيخ ثقافة الديمقراطية، وهذه تتطلب حرية الفكر والعقل والايمان بالعدل والمساواة.
وهذا ممكن بالاستعداد للتضحية وتحمّل النتائج، فالله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم.
لا بد من تغيير ما بالأنفس من أثرة وخضوع وخنوع للبشر إلى العزة والكرامة، باعتبار أنه لا تقديس إلا للخالق وحده لاغيره، وأنه لا تقديس لمخلوق من امثالنا.
بهذا يمكن التخلص من نوعي الاستبداد معاً، الكهنوت الديني والكهنوت السياسي
