قيم المجتمع بين الماضي والحاضر
إعداد: شيرين احمد
قديماً، كان المجتمع هو الحصن المنيع لصون الأخلاق وحفظ القيم من الضياع والاندثار، كانت أعراف الناس وتقاليدهم بمثابة قانون غير مكتوب، يصعب تجاوزه أو اختراقه، وكان المجتمع يومها متماسكاً، تسوده النخوة والشهامة، وتزداد أركانه بالتسامح والعفو، ويعمه أهل الخير الذين يسعون بين الناس بالمعروف والإصلاح.
كانت المروءة والحياء أصلاً ثابتاً في النفوس، لا يفرق بين رجل وامرأة، ولا بين صغير وكبير.
ورغم قسوة الحياة وشظف العيش في ذلك الزمن القديم، إلا أنه كان زمناً جميلاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ زمناً يمنح الإنسان مكانته ويشعره بكرامته، كانت السعادة بسيطة، والراحة متحققة، والأشياء القليلة تحمل في جوهرها معنى وقيمة، رغم ندرتها وبساطتها، عاشت أجيال ذلك الزمن حياةً كريمة، وإن حرمت من كثير مما نعيشه اليوم من رفاهية وتطور.
وما يبعث على الدهشة أن أولئك الناس، على قلة علمهم وندرة التعليم بينهم، كانوا أكثر حكمة وأعمق فهماً للحياة، لم تكن المدارس ولا الجامعات منتشرة كما هي اليوم، ولم يكن عدد المتعلمين يتجاوز أصابع اليد، ومع ذلك كانت أخلاقهم راسخة، وضمائرهم يقظة، ومجتمعاتهم تنعم بالسكينة والتكافل.
أما اليوم، فقد كثر المتعلمون وتعددت الشهادات، وانتشرت المساجد، وارتفع عدد الوعاظ والخطباء، وأصبحت في كل مدينة وقرية جامعة أو كلية، امتلأت الساحات بالمدربين والمشرفين والتربويين، وتنوعت المسميات حتى لا تكاد تُحصى، ومع ذلك لم يحدث التغيير الإيجابي المنشود في المجتمع، لأن كثيراً من تلك الجهود تفتقر إلى الجوهر والإخلاص، وتهتم بالمظاهر والشكل دون المضمون.
صار هم البعض أن يلتقط صور وهو يؤدي عملاً خيرياً ليتباهى بها في وسائل التواصل الاجتماعي، حتى الفقراء لم يسلموا من استغلال المظاهر، فترى من يوزع عليهم طرود الخير، لا ابتغاء وجه الله، بل طلباً للشهرة والظهور.
لقد تبدل الحال، وضاعت النية الصافية خلف أضواء التصوير وعدسات الهواتف، وباتت القيم التي كانت يوماً جوهراً للحياة مجرد شعارات ترفع ولا تطبق.
إن معالجة مظاهر التفاخر والرياء في المجتمع تبدأ من تعزيز دور الأسرة والمدرسة في غرس قيم الإخلاص والصدق والحياء في نفوس الأبناء، وتعليمهم أن القيمة الحقيقية تكمن في العمل ذاته لا في السعي إلى الظهور أو نيل المديح، كما يجب تكثيف التوعية بخطورة التفاخر والتصوير في الأعمال الخيرية، ونشر ثقافة «العمل بصمت» و«النية الخالصة» بوصفهما من أنبل الخصال التي تعكس صفاء القلب ونقاء المقصد، ومن المهم أيضًا إحياء روح العفو والمروءة والحياء التي كانت سمة المجتمعات في الماضي، وتقوية الروابط الإنسانية بين الناس على أساس المعروف والمساعدة المتبادلة، حتى يسود التعاون والإخلاص في المجتمع من جديد.
