الإسلام بين النقل والعقل- جدلية التراث والتجديد
عبدالباري أحمه
تُعد العلاقة بين النقل والعقل من أبرز الإشكاليات الفكرية التي أثارت جدلاً واسعاً في الفكر الإسلامي. وقد انقسم العلماء والمفكرون حولها بين من يرى ضرورة الالتزام بالنقل، ومن يدعو إلى توسيع دور العقل في فهم النصوص الدينية.
مفهوم النقل وضوابطه: النقل في السياق الإسلامي هو ما يُنقل عن الله تعالى في القرآن الكريم، وعن الرسول ﷺ في السنة النبوية. ويجب أن يخضع لضوابط دقيقة، أهمها التمييز بين ما هو ثابت شرعيًا وما هو اجتهاد عقلي، لضمان سلامة الفهم والتطبيق.
دور العقل في فهم النصوص: العقل في الفكر الإسلامي لا يُعد مصدرًا للتشريع، بل وسيلة لفهم وتطبيق النصوص الأحكام. ويشترط ألا يتجاوز حدوده في الأمور الغيبية التي لا يدركها العقل.
وقد نشأ الخلاف بين العلماء حول مدى تدخل العقل في تفسير النصوص، فالبعض يرى أن لا تعارض بين النقل الصحيح والعقل السليم، وأن الإشكال يكمن في سوء قراءة النص أو ضعف الأدلة التي يستند إليها العقل.
ففي بدايات الفكر الإسلامي، نجح العلماء في الحفاظ على النقل، وتجنبوا إقحام العقل في كثير من القضايا الإيمانية المرتبطة بالغيب، وكأن غاية السلف، كما يرى محمد أركون، هي أن يبقى الفكر الإسلامي محصورًا ضمن الإطار المعرفي للعقلية السلفية، رافضًا الخروج منها أو التجديد الديني، حتى لا يرى الأمور بمنظور جديد.
تطور الخلاف بين النقل والعقل: بدأت الإشكالية تتسع بعد انتشار الإسلام بين شعوب غير العربية، وتأثره بثقافاتها المتنوعة.
فنشأ تيار المعتزلة، الذي دعا إلى تفسير النصوص الدينية بالعقل، ليتمكن المسلم من فهم دينه بشكل أعمق، في المقابل أكد الأشاعرة أن الإيمان بالغيب هو السبيل للتوفيق بين العقل والنقل، مما يفتح المجال لحوار متوازن بينهما.
لهذا أحدث الصراع بين النقل والعقل مساحة من الخلافات بين علماء المسلمين، فالبعض يرى بأن لا خلاف بين عملية النقل الصحيح للنص والتراث بشرط أن يكون العقل صحيحاً، والسبب الواضح في الخلاف هو قراءة ما تم نقله قراءة خاطئة، أو أن العقل لا يستطيع أن يستوعب النقل بسبب ضعف أو هشاشة الأدلة، وبالنتيجة لا يمكن تجاهل قوة العقل في تبيان صحة النقل، لأن العقل هو من يثبت الإيمان في النفوس.
قال ابن تيمية: "كل ما يدل عليه الكتاب والسنة فإنه موافق لصريح المعقول، والعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح".
لكن السؤال يبقى: ما هي مقاييس النقل الصحيح؟
أما ابن سينا، فقد رفض استراتيجية التأويل التي تهدف إلى التوفيق بين الحقائق الدينية والآراء الفلسفية، معتبرًا أن النصوص الدينية تحتوي على رموز قابلة للتفسير الفلسفي.
في حين كان الغزالي أكثر تشددًا، فوضع "قانون التأويل"، واشترط أن يستند التأويل إلى دليل قوي راجح، وألا يتعارض مع ظاهر النص، وأن يبتعد عن الظن والتخمين.
وفي الوقت الراهن تناولت فلسفات كثيرة هذا الخلاف فالماديين والعلمانيين يعتبرون نقل النص والتراث وفق قواعد النقل يتعارض مع العقل، كون التراث والنص مجرد سيرة تاريخية، ورموز لا تتوافق وملكات العقل، لأن العقل هو المصدر الحقيقي لترسيخ الإيمان، وما يمكن القول بأن الغيبيات المتعلقة بالإيمان لا يمكن خضوعها للعقل، كونها تترسخ في النفس والقلب بدون أدلة وبراهين، أما السنة والتراث والأثر فمن الممكن خضوعه للعقل كي يميز الناس الغث من السمين، بهذه الطريقة قد يتوافق النقل مع العقل، وتستريح النفوس وتبتعد عن المجادلة في أساسيات الإيمان.
من هنا ندرك أهمية العقل وعلاقته بالنقل بخصوص الشروحات الإسلامية الشرعية، لأن النقل هو المصدر الحقيقي للأحكام، بينما يختزل وظيفة العقل لفهم وتطبيق النصوص والأحكام، بشرط ألا يبقى للعقل حاكمية على خصوصية النقل وتحديداً في الأمور الغيبية، لأن العقل لا يدرك ماهية هذه الغيبيات.
إن التوفيق بين النقل والعقل لا يعني إلغاء أحدهما، بل يتطلب فهمًا عميقًا لطبيعة كل منهما، واحترام خصوصية النصوص الدينية، مع استخدام العقل كأداة لفهمها دون تجاوز حدودها.
