موسى وفرعون
كانت مصر تخضع لحكم ملك جبّار ادّعى الربوبية والألوهية، واستعبد الناس، لقّب بفرعون: ﴿فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾ [النازعات ٢٤].
وحتى يقنع الناس بربوبيته: ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرِی ﴾ [القصص38 ]
ولكي يبقى فرعون ملكاً أبدياً على مصر فعليه أن يقتل كلّ مولودٍ ذكرٍ يلد للعبرانيين المقيمين في مصر، وذلك بحسب نبوءة آمن بها أو رؤية رآها، فأنشأ شبكة من القابلات والاستخبارات تراقب نساء بني إسرائيل الحوامل، فلا يكاد الطفل يلج الحياة إلا وقد عرف جنسه ولقي مصيره بالرمي في النيل أو الذبح إن كان ذكراً وإن كان أنثى فستنجو.
ومع أنّ موسى ذكر فقد نجا وهذه إحدى معجزاته الكثيرة، فلا علامات للحمل بدت على والدته، ولم تستعن بالقوابل أثناء الولادة خشية على طفلها من القتل، فبعد ولادته أوحى الله إلى أمه أن ألقيه في اليم، ولا تخافي عليه فالله تكفل بحفظه ورده إلى والدته التي وضعته في صندوق خشبي (تابوت)، ورمته في نهر النيل الذي قذفه إلى بيت قاتل الأطفال (فرعون).
أحبته زوجة الملك: ﴿وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَیۡنࣲ لِّی وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰۤ أَن یَنفَعَنَاۤ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدࣰا وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ﴾ [القصص ٩].
وهم لا يشعرون، تبنوه وعرضوه على المراضع فأبى ولسان حاله يقول: أرجعوني إلى أمي ، فذهبوا به إلى السوق يبحثون عن مرضعة مناسبة فرأته أخته وقلبها يغلي على أخيها الرضيع تريد ضمه إلى صدرها فكيف بقلب أمه فقالت ناصحة للقوم:
﴿إِذۡ تَمۡشِیۤ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن یَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَـٰكَ إِلَىٰۤ أُمِّكَ كَیۡ تَقَرَّ عَیۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ ...﴾ [طه ٤٠]
فدلتهم على من ترضعه وتكفله؛ فقبلوا لشفقة الملكة على الطفل الصغير لا على الأم المسكينة فأعادوه إلى أمه من دون أن يعرفوا أنها أمه، وتحقق الوعد الإلهي برجوع موسى إلى أمه بتدبير إلهي عظيم.
فهذا الطفل الصغير الذي وجدوا صعوبة بإرضاعه سيترعرع ويكبر في بيت فرعون، وسيكون السبب في زوال ملكه وإغراقه وجنوده في البحر... يتبع..
