#قوة #العقل ـ امبراطورية الوعي ـ
#إعداد: شيرين كوسا
العقل لغةً: الحبس، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل ـ نقيض الجهل ـ الحجر والنهي ضد الحمق.
فالعقل ليس مجرد كلمة تختزل وظائف الدماغ البيولوجية، بل هو مفهوم شاسع يحمل في طياته معاني الوعي، الإدراك والفهم، والإرادة.
إنه العالم الداخلي الفريد الذي يصنع واقعنا، ويشكل هويتنا، ويرسم حدود معرفتنا.
والعقل يعمل كمعالج فائق للمعلومات، حيث يستقبل المدخلات من الحواس، ليفسرها، ويحللها، ويخزنها، ثم يسترجعها عند الحاجة.
فمن خلال هذه العملية المعقدة، نتمكن من حل المسائل الرياضية، وتعلم لغات جديدة، واتخاذ القرارات التي تتراوح بين البسيطة والمصيرية.
لكن العقل لا يقتصر على المعالجة المجردة، فهو أيضاً منبع الإبداع، منه تولد القصائد واللوحات والموسيقى، وتنطلق الأفكار الثورية التي تغير مجرى التاريخ.
ولا يمكن فهم العقل بمعزل عن العالم العاطفي، فهو حاضنة الفرح والحزن والخوف والحب والغضب، هذه المشاعر ليست عواصف عابرة، بل هي بوصلة أخلاقية توجه سلوكنا، وتشكل علاقتنا مع الآخرين، وتضفي على حياتنا طعماً ولوناً.
وهنا يبرز أحد أهم تناقضات العقل: صراعه الأزلي بين العقلانية والعاطفة.
والإنسان يولد بعقل شبيه بلوحة بيضاء مزودة بقدرات فطرية على التعلم واكتساب المهارات، ولكن هذه اللوحة تحتاج إلى خبرات الحياة والتجربة وتلقّي المعرفة لتملأها.
فالعقل مرن بدرجة مذهلة، فهو النتيجة المعقدة لتفاعل الجينات مع البيئة، الطبيعة مع التربية.
ولكن لهذه القوة العظيمة وجه آخر، يمكن للعقل أن يكون سجناً عندما تغزوه الأفكار السلبية، أو يقع أسير المعتقدات الخاطئة، أو تتحول ذاكرته إلى متحف للألم، فهو يلون الحقائق بناءً على تحيزاتنا.
لكن هو في النهاية مصدر حريتنا الحقيقية، والتي لا تكمن في فعل كل ما نريد، بل أن نفكر بما نريد، وأن نسيطر على أفكارنا لا أن تسيطر علينا.
العقل هو الهبة التي ميزت الإنسان، ورغم كل التقدم العلمي ما يزال العقل أعظم الألغاز، هل هو مجرد نشاط كيميائي كهربائي في شبكة معقدة من الخلايا العصبية؟
أم أن هناك شيءٌ يتجاوز المادة، شيءٌ نسميه "الروح" أو "الوعي الخالص"؟
هذا السؤال يقع على مفترق طرق بين الفلسفة والدين وعلم النفس، ولا يزال بإجابته يتحدى أعظم العقول. يتبع ...
