التنوع عامل إثراء وتكامل
إعداد شيرين احمد
يعد التنوع بين البشر في اللغات، والأجناس، والثقافات، بل وفي الأديان والمذاهب ظاهرةً إنسانيةً أصيلةً تندرج ضمن السنن الكونية التي أقرها الوحي الإلهي، ولا يمكن بحال من الأحوال أن تتخذ مبررًا للصراع أو إزهاق الأرواح، فالاختلاف في منظور الفطرة السليمة، عامل إثراءٍ وتكامل، لا سبب نزاعٍ وإقصاء، ويؤكد هذا المعنى الحديث النبوي الشريف: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» (رواه الترمذي)، حيث يجعل الرحمة أساس العلاقة بين البشر.
كما يرسخ القرآن الكريم مشروعية الاختلاف ودوامه، في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (هود: 118–119)، وهو نص دال على أن التنوع الإنساني مقصود لذاته، ولا يتعارض مع إمكان الاجتماع على قيم العدل والرحمة والهداية.
غير أن الواقع المعاصر يظهر أن العالم، ولا سيما منطقة الشرق الأوسط منذ بدايات القرن العشرين، ما زالت تعاني من صراعات دامية ترتكب تحت شعارات دينية أو عرقية أو قومية. ويذهب هذا الطرح إلى أن الجذر العميق لهذه النزاعات يتمثل في منطق
الإقصاء والإنكار، سواء كان إنكارًا عرقيًا أو إثنيًا أو ثقافيًا.
ويمكن تفسير هذه الظاهرة بثلاثة عوامل رئيسة: أولها توظيف خطاب ديني متطرف ومشوَه، منقطع عن مقاصد الأديان وروحها الأخلاقية، إذ إن النصوص الدينية، في أصولها، تؤكد صيانة النفس الإنسانية، كما في قوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32). وثانيها أنظمة سياسية لا تؤسس شرعيتها على العدل والمواطنة المتساوية، بل على العنف وإثارة الانقسامات، أما العامل الثالث فيكمن في البنى الذهنية للمجتمعات حين تختزل في ما يعرف بالمركزية العِرقية.
وعليه، فإن بناء سلامٍ مستدام يقتضي الاعتراف بالتعدد بوصفه قيمة إنسانية وأخلاقية، وتفعيل مبادئ الرحمة والعدل، ونبذ كل أشكال الإقصاء والعنف، بما ينسجم مع المقاصد الكلية للإسلام وروحه الحضارية.
