لم يُفرض رمضان ليكون موسماً سنوياً للجوع والعطش فقط، ولا مناسبة اجتماعية تتبدّل فيها أوقات الطعام فحسب، بل أن غايته الأساسية تكمن في إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، ضبط الرغبة، تهذيب الغضب، وكسر استبداد العادة. لكن ما نراه في كثير من الأحيان هو العكس تماماً، صيام جسدي منظم، يقابله خلل أخلاقي مستمر.
تحوّل الشهر عند شريحة واسعة من المسلمين إلى التزام شكلي، يمتنع الناس فيه عن الطعام لساعات طويلة، لكنهم لا يمتنعون عن القسوة، ولا عن الظلم، ولا عن استغلال الآخرين.
يُؤدى الواجب التعبدي بدقة، بينما تُترك المعايير الأخلاقية كما هي. وبهذا الشكل يصبح الصيام تدريباً بيولوجياً لا مشروعاً أخلاقياً.
المشكلة لا تكمن في الشعيرة نفسها، بل في اختزالها. فعندما يُفصل الصيام عن العدالة، وعن الصدق، وعن احترام الإنسان، يفقد معناه التحويلي، حيث يصبح فعلاً فردياً معزولاً، لا ينعكس على العلاقات، ولا يغيّر بنية السلوك اليومي. والنتيجة أن المجتمع يخرج من الشهر كما دخله: نفس أنماط العنف، نفس الفساد، نفس التمييز، مع إضافة شعور بالرضا الديني المؤقت.
رمضان، في جوهره، يفترض أن يكون لحظة مراجعة: مراجعة علاقة الإنسان بالسلطة، بالمال، بالأسرة، وبالضعيف. لكنه حين يتحول إلى طقس موسمي، يفقد قدرته على إحداث أي تغيير حقيقي. يبقى الانضباط محصوراً في الامتناع عن الطعام، بينما تبقى بقية الممارسات دون مساءلة.
التحول الأخلاقي أصعب من الامتناع الجسدي. لذلك يُختار الأسهل، يُضبط الجسد، وتُترك البنية الفكرية كما هي. وهنا تحديداً يفقد رمضان قوته الأخلاقية عند هؤلاء الناس. لأن قوته ليست في الجوع والعطش، بل في إعادة ترتيب الأولويات داخل الإنسان. وهو ما يؤكده حديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (مَن لم يدَع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه).[رواه البخاري]
إذا لم ينتج عن الشهر سلوك أكثر عدلاً ورحمة ومسؤولية، فإنه يتحول إلى عادة جماعية متكررة، لا إلى تجربة إصلاحية. وعندها يصبح السؤال الحقيقي ليس "هل أتممنا صيام الشهر" ؟ بل:
ما الذي غيّره صيام رمضان في أنفسنا، ويجب ان يستمر ؟
