المنطق المعكوس
شيرين كوسا
إن أغلب الأزمات والصعوبات التي يعيشها المجتمع ناتجة عن سوء فهم واتساع ما يمكن تسميته بالفجوة المعرفية بين القائل والمتلقي. وفي ظل هذه الفجوة، يظهر ما يمكن وصفه بالمنطق المعكوس، ذلك النمط من التفكير الذي يقلب المعاني، ويحاكم النوايا بدلاً من تحليل الأقوال، ويضع النتيجة قبل المرور بطريق الفهم. والفجوة المعرفية التي هي البيئة الحاضنة للمنطق المعكوس تنشأ حين يصبح المفهوم غير مقصود أو المقصود غير مفهوم:
ففي الحالة الأولى: يستخدم القائل ألفاظاً فضفاضة دون ضبط دلالي فتفتح أبواب التأويل غير المنضبط.
والحالة الثانية: تكون الفكرة واضحة في ذهن قائلها لكنها تصطدم بمتلق لا يملك الأدوات المعرفية اللازمة لفهمها، وهنا يبدأ الانحراف، فلا يُناقش القول كما هو، بل كما يراه المتلقي ثم يُحاكم القائل على فهم لم يقصده.
وهكذا يتشكل أول بذرة للمنطق المعكوس حين تسبق النتيجة الفكرة، في هذا النمط لا تُبحث الحقيقة بل يُبحث عما يؤكد موقفاً مسبقاً، فتتحول الفكرة إلى ذريعة ويصبح القائل هدفاً لا قوله. فمثلاً من ينتقد جهة ما يُصنف مباشرةً في صف خصومها، ومن يدعو إلى التمييز بين الصحيح والدخيل يُتهم بإنكار الأصل، ومن يدعو إلى الحرية يُتهم بالفوضى ليس لأن الأقوال تحمل هذه المعاني، بل لأن النتيجة وُضعت قبل الفهم.
والفجوة المعرفية ليست مجرد مسافة بين عقول، بل هي مسافة بين الفهم والحكم، وكلما اتسعت هذه الفجوة وجد المنطق المعكوس بيئته الخصبة، فتحولت الأفكار إلى تُهم والحوار إلى صراع، وحين تسبق النتيجة الفكرة ويُعطل العقل عن أداء دوره يصبح الحكم سريعاً لكنه نادراً ما يكون صحيحاً.
وخلاصة القول: إن الخلل العقلي لا يكمن فقط في الجهل، بل في اختزال الواقع إلى لونين متقابلين: أبيض وأسود، وكأن الحقيقة لا تسكن إلا في الحدين، بينما الواقع في جوهره يتحرك داخل المنطقة الرمادية التي تتسع للتفصيل والتمييز والترجيح.
والعقل لا يقاس بسرعة رد الفعل بل بقدرته على التبيين قبل الحكم وعلى الفهم قبل الاتهام. فالعقل السليم لا يستقبل الأفكار مباشرة للحكم عليها، بل يمررها عبر مراحل تشمل: فهم المقصود وتحليل السياق واختبار المعنى ومراجعة الانفعال. فإذا تعطلت هذه الفلترة، دخل الكلام من الأذن إلى رد الفعل مباشرة دون المرور بمرحلة التفكير.
