ماهية التصوف الإسلامي

ماهية التصوف الإسلامي عبدالباري أحمه لم تكن الزوايا والتكايا التي انتشرت في الدولة الإسلامية قبيل عام 800 ميلادي وإلى الآن مجرد أماكن تهتم بالذكر والإرشاد فحسب، إ…

مؤتمر الإسلام الديمقراطي
المؤلف مؤتمر الإسلام الديمقراطي
تاريخ النشر
آخر تحديث


 ماهية التصوف الإسلامي

عبدالباري أحمه
لم تكن الزوايا والتكايا التي انتشرت في الدولة الإسلامية قبيل عام 800 ميلادي وإلى الآن مجرد أماكن تهتم بالذكر والإرشاد فحسب، إنما كانت مجموعة أفكار عمل عليها المتصوف حتى يرتقي بنفسه نحو السماء.
فالمتصوف لغة مشتقة من التصوف، أي التحلي بأخلاق الصوفية. واصطلاحاً هي رحلة روحية زادها الخلوة والتجلي الرباني، والتجرد من ملذات الحياة الدنيا، والتوبة الدائمة إلى الله. وقد اختلف المفكرون في تعريفهم، فقال بعضهم: هم الذين كانوا يقفون في الصف الأول أثناء صلاة الجماعة، وقال آخرون لأنهم كانوا يلبسون ثياباً من الصوف، والبعض يقول: جاءت الصوفية من مبدأ الصفاء.
ويؤكد بعض المؤرخين أن التصوف ظهر بعد الفتح الإسلامي، لأن أغلب تعاليمها وطقوسها تتطابق وتتشابه مع ما كان سائداً في منطقة ميزوبوتاميا، وإيران والهند، والديانات التي كانت سائدة وقتذاك مثل الصابئة، والزرادشتية، والنصرانية. وأغلب الدراسات تؤكد بأن الصوفية والتصوف ظهرت قبيل عام 200 هجري 800 ميلادي، وتميزت هذه الطريقة في عهد حسن البصري الشخصية التي كانت لها التأثير الواضح والكبير على التصوف، وجاءت رابعة العدوية ومن ثم البلحي والكرخي فكانت النشأة والانتشار، وفي المرحلة التالية ظهر المحاسبي 243 هجري الذي أكد على محاسبة النفس ومراعاة حقوق الله الواجبة والمفروضة على الإنسان، وبمجيئ ذي النون المصري 245 هجري تم إضافة المقامات الصوفية في مصر، ويبقى الحلاج أكثر شخصية جدلية في هذا المجال، هذا الفيلسوف الصوفي اتهمه البعض بالمغالاة، أما الغزالي فهو من أحدث تناقضاً في طريقة التصوف، وفيما بعد حاول أن يوفق بين التصوف ومن هم خصومه.
وفي القرون الثلاثة التالية الخامس والسادس والسابع للهجرة انتشرت مؤلفات كثيرة بين المسلمين، والتي احتوت على اتجاهات فكرية وعقائدية، فالسهروردي والعطار وابن عربي اضافوا كثيراً إلى صومعة التصوف، لكن يؤخذ على بعض تلك المؤلفات تطرفها والتي خرجت عن النهج السني التقليدي، فالحلاج مثلاً أحدث نقلة نوعية في هذا النمط حين أكد على وحدة الوجود، وأغلب هؤلاء متهمون بتأثرهم بفلسفات غير إسلامية، مثل الغنوصية، والبوذية، والزرادشتية، أما المرحلة التي تلت الحلاج فقد تميزت عن سابقاتها بالتخبط والتهور، واقتصرت أعمالهم على شرح النصوص القديمة، وتكللت هذه الانكسارات بانتهاء الخلافة العباسية عام 656 هجري، وفي هذه المرحلة دخلت على التصوف أفكار منحرفة مثل التهريج والشعوذة، بعكس الدعوة الأصلية التي كانت متمثلة بالسمو الأخلاقي والروحي.
وفي المرحلة التالية اقتصرت النشاطات على بناء وتأسيس الزوايا والتكايا التي تعتبر مدارس حقيقية بتعلم المريدين والمتصوفة كل ما يتعلق بالأذكار، والأوراد، والشعائر. وفي السنوات التالية انتشرت تلك المدارس في أغلب البلدات والمدن الإسلامية والتي اهتمت أيضاً بالعلوم الدينية الإسلامية، واختصرت كل النشاطات والشعائر بشخص رجل واحد وهو" شيخ الطريقة" وقد عاش المتصوفة في رعايته بدون أدنى شك، رغم كل هذه الثقة والمصداقية تعرضت هذه الطرق للاستغلال والتشويه، وقد يكون السبب المباشر هو تطور ذهنية المجتمعات، فأصبحت هذه الطرق الصوفية تترنح بين استغلال القائمين عليها وبين التطور العلمي والحضاري التي اجتاحت المجتمعات في الدول الإسلامية.
وبالعودة لنهج التصوف والمتصوفة، فقد تضمن مسائل عدة منها: معرفة الوجود وأسراره، واكتساب المعرفة والقيم الخلقية، والتي تسمو بالمتصوف إلى معرفة جزء من العلم اللدني، وترسيخ النور الرباني في القلوب والنفوس. ولأن المتصوف بالنتيجة هو المؤمن بالإله الواحد الأحد، الذي هو سيد الأكوان والنور السرمدي، فقد وجد ضالته بالوصول أو الاتصال به، أو أن يراه في كل ما يراه في الطبيعة المحيطة به، ولا يمكن نيلها ما لم يتخلى المتصوف عن أنانيته، وغرائزه، ويراقب نفسه من الوقوع في الذنوب والخطايا.

تعليقات

عدد التعليقات : 0