علم الكلام
كيندا كنعان
يُعرَّف علمُ الكلام بأنّه العلم الذي يبحث في العقائد الدينية بالعقل والمنطق، ويهدف إلى إثباتها والدفاع عنها والردّ على الشبهات التي تُثار حولها. وقد سُمي بـ“علم الكلام” لأنّ أبرز القضايا التي دار حولها الجدل كانت “الكلام الإلهي” وصفات الله ومسائل الإيمان والعقل.
ظهر علم الكلام بشكل تدريجي خلال القرن الأول الهجري، لكنه تبلور وانتشر فعليًا في القرن الثاني الهجري، تقريبًا بين أواخر القرن السابع وبداية القرن الثامن الميلادي. ارتبط بأحداث سياسية وفكرية كبيرة بعد الفتنة الكبرى (مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان 656م) والخلافات حول الحكم، القضاء والقدر، والإيمان، فأصبح الناس يدخلون في نقاشات عقائدية عميقة، ومن هنا بدأ يتشكّل “علم الكلام” كعلم مستقل.
لا يوجد لهذا العلم مؤسس واحد بشكل مباشر مثل باقي العلوم، لأنّ علم الكلام نشأ تدريجيًا مع ظهور النقاشات العقائدية والسياسية منذ بدايات الإسلام. ومن أوائل الشخصيات المرتبطة بتشكّله هم:
_واصل بن عطاء: وهو من أبرز المتكلمين، ومؤسس فكر المعتزلة القائم على العقل والمنطق.
_أبو الحسن الأشعري: الذي حاول أن يوازن بين العقل والنقل، وأصبح من أهم علماء علم الكلام السني.
_أبو منصور الماتريدي: الذي أسّس اتجاهًا كلاميًا قريبًا من الأشاعرة مع اهتمام واضح بالعقل.
وعمومًا، علم الكلام ظهر نتيجة أسئلة كبيرة عن: الحرية، القضاء والقدر، صفات الله، الإيمان، والعدل الإله وغيرها.. وكان محاولة لفهم العقيدة بعقلٍ يناقش، لا فقط يحفظ.
كان لعلم الكلام تأثير كبير على المجتمع الإسلامي، لأنّه فتح باب النقاش العقلي والفكري داخل الدين، وجعل الناس تحاول فهم العقيدة بالحجّة والمنطق، وليس فقط بالتلقين. وقد ساعد هذا العلم على ظهور مدارس فكرية متعددة أشهرها (المعتزلة-الأشاعرة-الماتريدية-الجهمية-المرجئة-الخوارج) ، وجعل الثقافة الإسلامية تدخل بحوارات مع الفلسفة والعلوم والأفكار الأخرى.
لكن بالمقابل، لم يتقبله الكثير من رجال الدين، فقسم منهم اعتبره ضروري للدفاع عن العقيدة والرد على الشبهات، خصوصًا عند أبو الحسن الأشعري وأبو منصور الماتريدي، بينما علماء آخرون عارضوه بشدة، لأنهم رأوا إنّ إدخال الفلسفة والمنطق بأسئلة العقيدة ممكن أن يسبب الشك والجدل ويُبعد الناس عن “الإيمان البسيط”. ومن أشهر المعارضين: أحمد بن حنبل، الذي كان يفضّل الاعتماد على النصوص الدينية أكثر من الجدل العقلي.
ولكن في العصر الحديث لم يبق علم الكلام على شكله القديم فقط، بل تبلور وتوسّع كثيراً، فقديمًا كان يناقش قضايا مثل: صفات الله، القضاء والقدر، وخلق القرآن، أما اليوم فأصبح يواجه أسئلة جديدة فرضها العصر، مثل: علاقة الدين بالعلم-الإلحاد واللادينية-حقوق الإنسان والحرية-قضايا المرأة والمجتمع والدولة-الذكاء الاصطناعي والأخلاق الحديثة-معنى الإيمان بعصر السرعة والتكنولوجيا.
لذلك ظهر ما يُسمّى أحيانًا “علم الكلام الجديد”، وهو محاولة لإعادة قراءة العقيدة بلغة معاصرة وبأسئلة الإنسان الحالي، وليس فقط تكرار الجدل القديم.
هناك من يرى أنّ هذا التطور ضروري حتى يبقى الفكر الديني حيّ وقادر أن يتحاور مع الواقع، بينما آخرون اعتبروا أنّه ابتعد كثيراً عن الشكل التقليدي لعلم الكلام.
والحقيقة أن علم الكلام لم يختف، لكنه غيّر أدواته وأسئلته، وانتقل من جدالات القرون الأولى إلى مواجهة أزمات الإنسان المعاصر الفكرية والوجودية.
يتبع...
