دور المرأة في قيادة المجتمع "أميرة حلبجة نموذجاً"

دور المرأة في قيادة المجتمع  "أميرة حلبجة نموذجاً" إعداد خديجة إبراهيم عندما يُطرح الحديث عن دور المرأة في المجتمع، تظهر أحياناً آراء تحاول حصر مكان…

مؤتمر الإسلام الديمقراطي
المؤلف مؤتمر الإسلام الديمقراطي
تاريخ النشر
آخر تحديث


 دور المرأة في قيادة المجتمع "أميرة حلبجة نموذجاً"

إعداد خديجة إبراهيم

عندما يُطرح الحديث عن دور المرأة في المجتمع، تظهر أحياناً آراء تحاول حصر مكانتها ضمن أدوار محددة، متجاهلةً صفحات طويلة من التاريخ أثبتت فيها المرأة دورها كشريكة في القيادة والإدارة والدفاع عن المجتمع.

ومن بين الشخصيات التاريخية التي جسدت هذه الحقيقة تبرز شخصية بلقيس ملكة سبأ التي ذكرها القرآن الكريم على لسان الهدهد عندما قال للنبي سليمان: ﴿إِنِّي وَجَدتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:23].

فقد عرض القرآن شخصيتها كنموذج لامرأة قادت شعباً ودولة كاملة، وبوصفها حاكمة تمتلك القدرة على التشاور واتخاذ القرار، مما يؤكد أن القيادة ليست مرتبطة بجنس الإنسان، بل بحكمته وكفاءته.

كما يقدم التاريخ الإسلامي نماذج مشرقة لمشاركة المرأة في حماية المجتمع والدفاع عنه. ومن أبرز هذه النماذج نذكر الصحابية نسيبة بنت كعب، المعروفة بأم عمارة، التي وقفت في غزوة أحد تدافع عن النبي محمد ﷺ عندما اشتد القتال، وأصيبت بعدة جروح وهي تقوم بواجبها في حماية مجتمعها وعقيدتها. وقد أصبحت سيرتها رمزاً للشجاعة والثبات والإرادة القوية.

أما في العصور المتأخرة من تاريخنا الإسلامي والكردي على وجه الخصوص، فقد برزت أسماء لامعة قادت مجتمعها بكل فخر واعتزاز، ومن أهم تلك الشخصيات القيادية تبرز اسم أميرة حلبجة "أديلة خانم" تلك المرأة الكردية التي أصبحت رمزاً للحكمة والقيادة وتحمل المسؤولية.

لقد عاشت الأميرة أديلة خانم(1847-1924 م) في مرحلة تاريخية حساسة، وتمكنت من إدارة شؤون منطقتها والمساهمة في حفظ الاستقرار الاجتماعي، حتى أصبحت مرجعاً لأبناء مجتمعها في حل المشكلات واتخاذ القرارات. ولم يكن تأثيرها نابعاً من موقعها الاجتماعي فحسب، بل من شخصيتها القيادية وقدرتها على خدمة الناس وإدارة شؤونهم بحكمة وعدالة.

إن أهمية "أميرة حلبجة" لا تكمن في كونها حالة استثنائية، بل في كونها مثالاً من أمثلة عديدة تؤكد أن المرأة كانت حاضرة في مختلف مراحل التاريخ عموماً والإسلامي والكردي على وجه الخصوص.

فعلى امتداد التاريخ، لم تكن مشاركة المرأة في الدفاع عن مجتمعها أمراً غريباً أو مستحدثاً، بل كانت جزءاً من مسؤوليتها الإنسانية والاجتماعية. فالمرأة كانت مربية ومعلمة وقائدة، وكانت أيضاً قادرة على حماية نفسها ومجتمعها عندما تقتضي الظروف ذلك.

ولهذا فإن مشاركة المرأة اليوم في مجالات الخدمة العامة أو الحماية أو الدفاع عن الوطن يمكن فهمها بوصفها امتداداً طبيعياً لدور تاريخي طويل، وليس خروجاً عن سياق التاريخ أو المجتمع.

ويؤكد القرآن الكريم مبدأ الشراكة في بناء المجتمع بقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۖ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:71]. هذه الآية تجعل مسؤولية الإصلاح وخدمة المجتمع مسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء، وتؤكد أن نهضة المجتمعات لا تتحقق إلا بمشاركة جميع أبنائها وبناتها.

إن تجربة أميرة حلبجة "أديلة خانم"، إلى جانب نماذج تاريخية مثل الملكة بلقيس وأم عمارة، تذكرنا بأن المرأة لم تكن يوماً متفرجة على صناعة التاريخ، بل كانت إحدى صانعاته. وعندما نقرأ هذه النماذج اليوم ندرك أن قوة المجتمعات لا تقوم على إقصاء المرأة أو تهميشها، بل على الاعتراف بدورها وتمكينها من المساهمة في بناء المجتمع والدفاع عنه وخدمة مستقبله.

****************************

 

تعليقات

عدد التعليقات : 0