وثيقة المدينة والتعايش المشترك
اعداد: كيندا كنعان
شرع الرسول صلى الله عليه وسلم، بعد الهجرة
إلى المدينة، في وضع أسس المجتمع الإسلامي الجديد، فبنى المسجد، ووثّق الصلة بين
المسلمين بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وأرسى قواعد المواطنة والعيش المشترك
بين المسلمين وغيرهم في إطار التعاون والاحترام المتبادل. وتضمنت هذه الوثيقة بنودًا عديدة تضبط
العلاقات بين الراعي والرعية، وبين مكونات مجتمع المدينة على اختلافها، وكان من
أهم أهدافها تنظيم العلاقات الاجتماعية فيما بينها.
يقول المفكر عبد الله أوجلان: "كان النبي محمد ﷺ كومونياً أوليًا. انتبهوا، لقد كان يعيش حياةً مشتركة، وكان
حوله جماعة من المؤمنين يطلق عليهم اسم الصحابة الكرام. إن جماعة المهاجرين حول النبي محمد ﷺ تشكل تجمعًا كومونيًا هائلًا؛ كانوا يعيشون
معًا، وهذه الحياة المشتركة هي ما نسميه كومونة، بل وكان فيها شيء من الديمقراطية
أيضًا. وثيقة المدينة هي وثيقة
كومونة، وهي بمثابة مسودة ديمقراطية. غير أن أبا سفيان ومعاوية قاما بإفسادها، وهذا ما
نسميه النهج السلطاني أو الإسلام المضاد. "قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ
تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].
تؤكد هذه الآية مبدأ التعايش السلمي مع غير
المسلمين الذين لا يعادون المسلمين، وتدعو إلى معاملتهم بالبر والعدل. ويشير النص إلى أن الإسلام كفل لهم الحقوق
والأمان وحرية ممارسة شعائرهم، وهو ما تجسد تاريخيًا في حماية دور عبادتهم، كما
أجاز الإنفاق عليهم في بعض الحالات، مما يعكس قيم التسامح والعدالة التي يقوم
عليها المجتمع الإسلامي. الإسلام يحث المسلمين
على الدعوة إلى دينهم، ويعدّ ذلك وظيفة شرعية، ولكنه في الوقت نفسه لا يحظر على
الأقليات الدينية الأخرى أن تمارس الدعوة لنفسها. وتحضرني هنا قصة من سيرة ابن هشام مفادها أن النبي ﷺ جاءه وفد من النصارى، فبسط رداءه على الأرض
ليجلسوا عليه احترامًا وتقديرًا. لاحظوا كم البون شاسع
في الروحية والتعامل بين زمان النبي وزماننا نحن. في عالم تتزايد فيه
النزاعات، يصبح التعايش السلمي ضرورة لا رفاهية، خاصة في ظل التوترات السياسية
التي تعصف بالمنطقة في السنوات الأخيرة، قد شهدت المنطقة تفككاً اجتماعياً
وسياسياً نتيجة نزاعات مسلحة وتدخلات إقليمية ودولية. ساهمت
هذه الأحداث في تقويض فرص التعايش، من خلال إثارة الانقسامات الطائفية والسياسية
لصالح جهات انانية وفئوية، مما جعل بناء الثقة بين المكونات أمراً شاقاً. يقصد بالتنوع الثقافي
وجود العديد من الثقافات في مجتمع معين، مؤسسة معينة أو في العالم بأسره، وهي قوة
ميكانيكية، وجود تجانس واحترام بين الثقافات المحلية مع الثقافات الوافدة، وتصور
المتعايشين للأخلاق والعادات والتقاليد، وأشكال تفاعلهم مع البيئة المحيطة، ويشير
بذلك إلى التعايش المشترك تحت مفهوم التنوع وليس الصدام. تقف اللغة على رأس
مظاهر التنوع الثقافي، وهي الركن الأساسي الذي تقوم عليه أي هوية ثقافية محلية،
حيث تفتخر كل أمة بمزايا لغتها، وهي راية هويتها، وكذلك يبرز الدين على رأس مظاهر
التنوع إلى جانب العادات والتقاليد. التنوع
الثقافي يعني وجود اختلافات واضحة في
العادات، التقاليد، اللغات، الأديان، والفنون بين أفراد المجتمع الواحد أو بين
مجتمعات مختلفة, هذه الاختلافات ليست مجرد
فروقات، بل هي ثروة إنسانية تمثل غنى فكري وحضاري , ومن
أهم ثمارها الوعي, القوة
, تعزيز
الابداع والابتكار , و يتيح تبادل الافكار
والخبرات, التعمق
في ثقافة الآخر وفهم قضاياها والتعاطف معه ,ما يحفز من آليات
التواصل مع الافراد والجماعات بمثابة مهارة إنسانية تغوص نحو الفهم والادراك لوجهة
نظرهم وتجاربهم ,ما
يزيد من قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات بمرونة والوصول إلى حلول مبتكرة
لمشكلات معقدة ويقلل من الاحكام المسبقة والافكار النمطية التي تؤدي إلى التميز أو
العنف .من
إيجابيات التعايش المشترك هي التنوعات الثقافية الكثيرة والاعتراف بشرعية جميع
الثقافات الموجودة في المجتمع الواحد وإعطاء فرصة للعمل على تحقيق المساواة
والحريات بين جميع الثقافات الموجودة عند سنِّ القوانين والتشريعات.
