الإسلام الديمقراطي - مقارب اقتصادية
يعاني المجتمع السوري من أزمة اقتصادية عميقة، لا تقتصر على أرقام البطالة والفقر، بل تمتد إلى جوهر العلاقة بين المال والإنسان. فطيلة المائة عام من احتكار رأسمالية الدولة التي كرست التفاوت الطبقي، أو النماذج الريعية التي وزعت الإيرادات بشكل مركزي، فأدت إلى تهميش الأطراف وترسيخ تبعيتها للمركز، أو أنظمة هجينة تستخدم المال كأداة للهيمنة السياسية.
وفي خضم هذا الإخفاق الاقتصادي، يبرز مفهوم "الإسلام الديمقراطي" كرؤية فكرية اجتهادية تجديدية، وبما يتناسب مع تحديات العصر بكافة جوانبه السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وذلك لكون الحلول التقليدية إما أهملت الجوانب الأخلاقية، فتحول السوق إلى غابة، أو فرضت رقابة صارمة أدت إلى حدوث شلل في الحركة الاقتصادية الحرة.
فالإسلام الديمقراطي (الذي يرى أن المؤسسات الدينية -بما فيها المؤسسات الإسلامية- هي مؤسسات مجتمع مدني، وليست مؤسسات سياسية سلطوية أو خاضعة لسلطة الدولة)، بتبنيه لهذه الرؤية الفكرية، يمكنه أن يساهم في معالجة بعض الأزمات الاقتصادية التي نحن بصددها، وذلك من خلال إعادة بناء النظام المالي على أساس من العدالة الاقتصادية والتكافل الاجتماعي، كما قد يقدم حلاً ناجعاً لكيفية التوافق بين حرية السوق وواجب حماية المستهلك. هذه الرؤية المنهجية تعيد قراءة المفاهيم التراثية للزكاة والوقف والحسبة (بيت المال)، وتُخرجها من عباءة سلطة الدولة إلى مؤسسات المجتمع المدني الخيرية الفاعلة، جنباً إلى جنب مع العمل الخيري الفردي.
فالزكاة -حسب هذه الرؤية- ليست صدقة عابرة فحسب، بل نظام قائم بذاته، عن طريق جمعيات متخصصة في هذا الشأن، يُدار عبر صناديق تنموية تمنح القروض الحسنة للشباب والعاطلين، فتموّل مشاريعهم وتحوّلهم من متلقين إلى منتجين. قد يعمل على إعادة توزيع الثروة، ،3 قال الله ﷻ: "وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ" (البقرة ٢٨٠)، وهذه النظرة هي استثمار في مستقبل الفقير. كذلك الوقف ينتقل من كونه عقاراً جامداً إلى رأسمال منتج يُنشئ مصانع ومزارع، يضمن دخلاً مستداماً للمحتاجين دون أن يفقدوا كرامتهم.
أما بخصوص تنظيم السوق مالياً، فهو من واجبات المؤسسات الرسمية للدولة كالهيئة الرقابية، على أن لا تهدف إلى كبت التجارة الحرة، بل إلى منع الاحتكار والغش والغلاء، لأن السوق العادلة هي التي تحمي البائع والمشتري معاً. وهنا يتدخل القانون المدني لحماية المستهلك من الجشع، دون أن يُعطّل روح المبادرة الأخلاقية.
أما رؤيته حول النظام المصرفي، فيتمثل في تشجيع نظام المشاركة الاقتصادية (المصارف التعاونية) بدلاً عن البنوك الخاصة، حيث تكون الجهات الممولة شريكاً في الربح والخسارة، مما يشجع على الاستثمار لأصحاب الدخل المحدود، ويخفف من الأعباء المالية عليهم، مع التأكيد على ضرورة وجود المصارف الحكومية العامة كحاجة اقتصادية معاصرة وبهذا يصبح المال في خدمة الإنسان، لا العكس.
يعتبر مكافحة الفساد الاقتصادي في المجتمع (أخلاقياً) جوهر هذه الرؤية، لأنه أخطر ما يهدد العدالة الاقتصادية. والفساد هنا ليس مخالفة قانونية فحسب، بل خيانة للعقد الاجتماعي وانتهاك لأمر الله: "وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ" (البقرة ١٨٨). ولذلك، يحث الإسلام الديمقراطي على إنشاء هيئات رقابية خاضعة لإدارة الدولة العادلة لكشف الممتلكات ومعاقبة الفاسدين، فتقطع جذور الفساد الاقتصادي وتعيد الثقة بين المواطن والدولة.
هذا المنهج الاقتصادي هو إطار عملي يخلق مجتمعاً يشعر فيه المواطن أن الفرصة متاحة للجميع دون استثناء، وأن الغنى ليس حكراً على فئة معينة، وأن الفقر ليس قدراً محتوماً. وعندما تتحقق هذه الرؤية، يتحول المواطن من خاضع لأمر واقعه إلى شريك فاعل في بناء وطنه، هو ما يجعل المواطن يؤمن بالديمقراطية ويحميها، لأنه يرى أثرها في معيشته.
ختاماً، الإسلام الديمقراطي في اقتصاده يرفض منطق السوق الاحتكاري والدولة المستبدة معاً، ويؤسس لوسطية عملية تجعل المال أداة للحياة الكريمة، لا غاية في ذاتها. وفي سياق سوريا الجديدة، هذا النموذج هو الأقدر على معالجة جراح الفقر والبطالة، وبناء دولة لا تميّز بين مواطن وآخر، لأن عدالتها الاقتصادية تسبق خطاباتها السياسية، وتكون أساساً لاستقرار الدولة وديمومتها.
*******************************