الإسلام الديمقراطي
بديلاً عن "الإسلام السلطوي أو إسلام السلطة"
بعدما تبيّن لنا في القسم الأول من هذا البحث، حقيقة الإسلام السلطوي بشقيه "السياسي والجهادي" وإسلام السلطة، ودورهما في تشويه صورة الإسلام الحقيقي الذي جاء رحمة للعالمين من رب العالمين، نرى أنه لا يمكن إنقاذ الإسلام والمسلمين من براثن الإسلام السلطوي، أو إسلام السلطة على حد سواء، ولا يمكن للإنسان المسلم العيش بسلام وحرية وديمقراطية، واللحاق بركب الحضارة الإنسانية، إلا بتبني مشروع الإسلام الديمقراطي الذي تمثله وثيقة المدينة المنورة في أبسط صوره كأول تجربة ديمقراطية جمعت كل فئات الشعب على اختلاف أديانهم وأجناسهم على يد النبي محمد عليه الصلاة والسلام منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام..
ونرى أنه لا يمكن تجفيف منابع إرهاب الإسلام السلطوي إلا بتبني الإسلام الديمقراطي كمنهج فكري وعقائدي وفقهي وأخلاقي نابع من المبادئ والقيم الأخلاقية الثابتة التي أقرها الله (عزّ وجلّ) عبر رسالته الخالدة المتمثلة بالقرآن الكريم الذي جعله الله إماماً مبيناً للمؤمنين إلى يوم الدين.
فما هو هذا الإسلام الديمقراطي؟
مفهوم الإسلام الديمقراطي: هو اجتهاد فكري إسلامي برؤية معاصرة يجمع بين المبادئ الإسلامية الأساسية الثابتة والقيم الديمقراطية المعاصرة.
وحسب هذا المفهوم التجديدي للإسلام، تعتبر المبادئ والقيم الديمقراطية المعاصرة كالمشاركة السياسية، والحريات الفردية، وحقوق الإنسان، هي عناصر أساسية في الحياة السياسية والاجتماعية للمسلمين.
وليس هناك أي تعارض فيما بين القيم والمبادئ الديمقراطية والقيم والمبادئ الإسلامية الثابتة، مع التأكيد على التزام هذه المبادئ بالقيم والأخلاق الإسلامية.
والديمقراطية هي نفسها الشورى بالمفهوم المعاصر، وهي تعبير دقيق عن جوهر الدين الإسلامي الحنيف الذي أنزله الله على جميع أنبيائه ورسله ابتداءً من نوح عليه السلام، مروراً بالنبي إبراهيم وانتهاءً بخاتم النبيين محمد ﷺ.
والإسلام الديمقراطي هو ذلك الدين القيم الذي تم تنزيله وحياً قرآنياً على مدار ثلاثة وعشرين عاماً، والنبي محمد -عليه الصلاة والسلام- كان حريصاً على تطبيقه أولاً بأول حتى آخر أيام حياته الدنيوية، ابتداءً من اليوم الأول لنزول الوحي عليه ووجوده مع أصحابه في مكة المكرمة قبل الهجرة كأقلية مؤمنة بين المشركين الذين كانوا معادين لهذا الدين الجديد، مروراً بمرحلة الهجرة الأولى لأصحابه إلى الحبشة بأمر من رسول الله، فعاشوا بأمان واطمئنان كأقلية مسلمة بين أكثرية غير مسلمة، وصولاً إلى مرحلة الهجرة الثانية من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وتأسيس أول إدارة ذاتية مدنية ديمقراطية عاش فيها المسلمون كأكثرية مؤمنة مع غيرهم من اليهود والنصارى والمشركين تحت سقف الدستور الذي سمي بميثاق المدينة.
يتبع..
