العنف الأسري
شيرين احمد
يعد العنف الأسري من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي تهدد استقرار الأسرة وتماسك المجتمع، لما يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية وصحية تمس جميع أفراد الأسرة، ولا سيما الفئات الأضعف كالنساء والأطفال وكبار السن، وقد ازدادت هذه الظاهرة انتشارًا في المجتمعات المختلفة نتيجة عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية ونفسية متعددة، الأمر الذي جعلها محل اهتمام الباحثين والمختصين في مجالات القانون والاجتماع وعلم النفس.
ويقصد بالعنف الأسري كل عنف يقع ضمن إطار الأسرة، ويمارسه أحد أفرادها مستغلًا ما يملكه من سلطة أو ولاية أو نفوذ ضمن الأسرة، وقد عرفه الفيلسوف “روبرت أودي” بأنه: «الهجوم أو الإساءة إلى شخص ما، سواء كانت مادية أم معنوية».
كما عرفه بعض الباحثين بأنه إساءة معاملة الأطفال أو كبار السن أو الزوج أو الزوجة أو غيرهم ممن يعيشون داخل المنزل، من قبل أحد الأفراد المقيمين معهم.
أما القاضية “تغريد حكمت” فقد عرفته بأنه: «إساءة مقصودة تمارس ضد أحد أفراد الأسرة، سواء بفعل مباشر أو بتركه وتعريضه للخطر من قبل فرد آخر من أفراد الأسرة، بصورة تؤدي إلى إحداث آثار وظروف تؤثر تأثيرًا خطيرًا في صحته أو نموه أو سلوكه».
ويتمثل العنف الأسري في كل قول أو فعل يصدر عن أحد أفراد الأسرة تجاه فرد آخر، يتسم بالشدة والقسوة، ويؤدي إلى إلحاق الأذى المادي أو المعنوي بالأسرة أو بأحد أفرادها، ويعد هذا السلوك محرماً شرعاً، لأنه يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ النفس والعقل والكرامة الإنسانية، كما يخالف مبدأ المعاشرة بالمعروف الذي دعا إليه الإسلام، وخاصة العنف الواقع بحق النساء، فقال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
وترجع أسباب العنف الأسري إلى عوامل متعددة ومتداخلة، من أبرزها الأسباب الاقتصادية، إذ يؤدي انتشار البطالة وتفاوت الطبقات الاجتماعية والصعوبات المعيشية والسكن في المناطق العشوائية قليلة الخدمات إلى زيادة الضغوط النفسية والإحباط، مما يدفع بعض الأفراد إلى تفريغ غضبهم ومشكلاتهم على الطرف الأضعف داخل الأسرة، كالزوجة أو الأبناء، كما يسهم ضعف الثقة بالنفس وعدم القدرة على تحمل المسؤولية في تفاقم هذه الظاهرة.
ومن الأسباب المهمة أيضًا الأسباب الاجتماعية، مثل ضعف القيم الأسرية، وتفكك الروابط العائلية، والتربية الخاطئة، والإهمال، والتسلط، والحرمان من الرعاية الأسرية، كذلك فإن الانفتاح غير الواعي على بعض السلوكيات الدخيلة، مع الاعتقاد الخاطئ بأن العنف وسيلة لحل المشكلات أو أسلوب للتأديب والتربية، يؤدي إلى ترسيخ هذه الممارسات داخل الأسرة، في حين يدعو الإسلام إلى الرحمة والتسامح وكظم الغيظ، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]
أما الأسباب الذاتية، فتتمثل في الصفات الشخصية المنحرفة التي قد تدفع الفرد إلى ممارسة العنف، كالأنانية، واللامبالاة، وتقلب المزاج، وعدم القدرة على التحكم بالمشاعر والانفعالات، فضلًا عن الحرمان الاجتماعي أو المشكلات الشخصية التي تؤثر في سلوك الفرد وتدفعه إلى العدوان.
وتبرز كذلك الأسباب الثقافية، التي تتمثل في ضعف الوعي بحقوق الإنسان، وانخفاض المستوى التعليمي، والصراع بين القيم التقليدية والحديثة، والشعور بالعجز وقلة الحيلة، مما يجعل بعض الأفراد يلجؤون إلى العنف بوصفه وسيلة لإثبات الذات وفرض السيطرة، مع أن الله تعالى أمر بالعدل والإحسان ونهى عن الظلم، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَـٰنِ وَإِیتَاۤىِٕ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَیَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡیِۚ یَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
ومن العوامل المؤثرة أيضًا أسلوب التربية الذي يتلقاه الفرد في أسرته وبيئته الاجتماعية؛ فالدراسات الحديثة تؤكد أن الطفل الذي يتعرض للعنف في طفولته يكون أكثر ميلًا إلى ممارسة العنف في المستقبل مقارنة بغيره. كما أن بعض المفاهيم الخاطئة الناتجة عن سوء التربية، مثل الاعتقاد بأن ضرب الزوجة أو الأطفال وسيلة للإصلاح أو لإثبات الرجولة، تسهم في استمرار هذه الظاهرة وانتشارها.
ولا يمكن إغفال الأسباب النفسية، إذ إن بعض الاضطرابات النفسية والسلوكية قد تدفع الفرد إلى العدوان والعنف، ومن ذلك الشخصية السيكوباتية التي تتسم بالسلوك العدواني وضعف الشعور بالمسؤولية منذ السنوات الأولى من العمر، كذلك تؤدي الانحرافات الأخلاقية، مثل تعاطي الخمور، إلى زيادة الخلافات الأسرية وتصاعدها حتى تصل إلى استخدام العنف.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن العنف الأسري ظاهرة معقدة تنتج عن تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وثقافية وتربوية، الأمر الذي يستدعي تكاتف جهود الأسرة والمؤسسات التعليمية والدينية والقانونية من أجل الحد من هذه الظاهرة، ونشر ثقافة الحوار والاحترام المتبادل، وبناء أسرة قائمة على المودة والرحمة والتفاهم، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَایَـٰتِهِۦۤ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَ ٰجࣰا لِّتَسۡكُنُوۤا۟ إِلَیۡهَا وَجَعَلَ بَیۡنَكُم مَّوَدَّةࣰ وَرَحۡمَةًۚ ﴾ [الروم:21].
