تعدد الزوجات في الإسلام

تعدد الزوجات في الإسلام شيرين كوسا تعد قضية تعدد الزوجات من القضايا التي أثارت ولا تزال تثير جدلاً واسعاً بين الناس، بين مؤيد ومعارض، وبين من يراه حقاً مطلقاً ومن…

مؤتمر الإسلام الديمقراطي
المؤلف مؤتمر الإسلام الديمقراطي
تاريخ النشر
آخر تحديث


 تعدد الزوجات في الإسلام

شيرين كوسا
تعد قضية تعدد الزوجات من القضايا التي أثارت ولا تزال تثير جدلاً واسعاً بين الناس، بين مؤيد ومعارض، وبين من يراه حقاً مطلقاً ومن يعتبره استثناءً لضرورات قاهرة.
إن الحديث عن تعدد الزوجات في الإسلام ليس دعوة لإباحته دون وعي، بل هو وقوف على حكمة تشريعية تراعي طبيعة البشر وتستوعب متغيرات الحياة كالحروب والعقم والأمراض المزمنة والرغبة في الإنجاب، وغيرها من الظروف التي تجعل التعدد حلولاً إنسانياً يحفظ حقوق النساء والأطفال، فهو تشريع سبق به الإسلام كل الأديان والقوانين، حيث نظمه بضوابط دقيقة لم تعرفها البشرية من قبل، فلم يتركه مطلقاً دون قيد أو شرط، ولم يشدده ليصبح مستحيل التطبيق، كما في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} النساء: 3 . كما اشترط الله عدلاً تاماً بين الأولاد والزوجات وأكد على
أن من لم يستطع تحقيقه فعليه بواحدة فقط، كما في قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} النساء: 3
رأي فقهاء التراث: يرى السلف أن الرجل أقوى من المرأة، لأنه متقدم عليها في الخلق والوجود، ويعتبر الرجل أصل المرأة التي هي فرع منه. ويقول بأن لكل منهما دوره وخصائصه التي زودهما بها الله تعالى. كما لا يجوز للرجل أن يتزوج أكثر من أربع زوجات في وقت واحد، وقيد هذا الزواج بشروط: (العدل بينهن كالسكن والنفقة والمبيت والمعاملة الحسنة)، أما بالنسبة للقلب فلا يستطيع الإنسان أن يتحكم به. وبما أن الإسلام منوط بالوسع والقدرة فلا يكلف الرجل أن يعدل بين زوجاته في الأمور العاطفية ومع ذلك يجب ألا يميل كل الميل للمرأة التي يحبها.
رأي الإصلاحيين: ومنهم محمد رشيد رضا حيث يقول في كتابه "تفسير المنار": نقل الرازي عن أبي مسلم أن معنى "خلق منها زوجها" خلقه من جنسها فكان مثلها. فأصل البشر زوجان مخلوقان من جنس واحد أو مادة واحدة، فكأن الآية حسب هذا التفسير ابتغت أن تبرز فكرة التماثل والتساوي، وتضرب فكرة التمييز والمفاضلة بين شقي الإنسانية وتستبعد في نفس الوقت كل تفكير عنصري يقوم على تفضيل جنس أو شعب أو لون على جنس أو شعب أو لون آخر اعتماداً على مجرد هذا الوصف.
أما بالنسبة لتعدد الزوجات فيرى أن الإسلام لم يبتدع تعدد الزوجات بل كان شائعاً ومطلقاً في الشرائع السابقة وعند العرب قبل الإسلام، وجاء الإسلام ليحد منه ويقيده بشروط صارمة (العدل في النفقة والكسوة والمبيت وحسن المعاملة، كما اشترط القدرة المالية البدنية الواضحة لإعالة أكثر من أسرة)، وقام بالرد على الغرب الذين اعتبروا التعدد دليلاً على امتهان المرأة، موضحاً أنه يمثل حلاً واقعياً لظروف اجتماعية وصحية معينة. ويرى أيضاً أن التعدد "رخصة للمتضررة" وليس أصلاً للشهوة، وأن الأصل في الإسلام هو الزوجة الواحدة، ورأى بأنه يجوز للحكومة أو لولي الأمر (القضاء) التدخل لتقييد هذا الحق وتنظيمه.
رأي الحداثيين: يؤكد الدكتور محمد عابد الجابري على أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام كانت مرتبطة بسياقات تاريخية واجتماعية محددة مثل الحروب والحاجة إلى زيادة النسل في المجتمعات التي كانت تعاني من نقص سكاني، وهو يشدد على أن النص القرآني اشترط العدل بين الزوجات، ويعتبر الجابري تحقيق هذا الشرط بمفهومه الشامل (المادي والمعنوي) أمر بالغ الصعوبة، بل قد يكون مستحيلاً في كثير من الأحيان. وهو يرى أيضاً أن المجتمعات المعاصرة قد تجاوزت الظروف التي فرضت تعدد الزوجات، فمع تحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتغير دور المرأة في المجتمع، يصبح مفهوم العدل أكثر صعوبة في التحقق. ولذلك فهو يدعو إلى إعادة النظر في تطبيق تعدد الزوجات في السياقات المعاصرة مع التركيز على مبدأ العدل كأساس، وأن صعوبة تحقيقه قد تجعل الاقتصار على زوجة واحدة هو الأقرب إلى روح الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
ويرى الدكتور محمد شحرور أن الله تعالى أشار بأن أصل خلق الإنسان كان من نفس واحدة، وأنه أمر الناس بالقسط في اليتامى، بإيتائهم أموالهم وعدم أكلها، آمراً الناس بنكاح ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع، في حالة واحدة حصراً وهي الخوف من ألا يقسطوا في اليتامى، وبشرط أن تكون الزوجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أرملة ذات أولاد، وطبيعي أن يُلغى الأمر بالتعددية في حال عدم تحقق هذين الشرطين.
وبهذا نخلص إلى أن الإنسان خُلق من نفس واحدة ولكن بجنسين مختلفين، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً} سورة النساء: 1، فالزواج في الإسلام ليس مجرد علاقة عابرة، بل ميثاق غليظ ورابطة مقدسة تقوم على المودة والرحمة والسكن، وهو سبيل لتحقيق العفاف والاستقرار الأسري وبناء مجتمع متماسك. إن الأصل في الحياة الزوجية هو الاكتفاء بزوجة واحدة، أما تعدد الزوجات فهو رخصة مشروعة ومقيدة بشرط العدل والقدرة والنفقة والحسنى بين الزوجات وليس قاعدة ملزمة ومطلقة. فالإسلام أباحه لحاجات معينة (كالعقم أو المرض أو الأوقات التي تكثر فيها الفتن والحروب والحاجة إلى رعاية الأيتام والأرامل والمطلقات).

تعليقات

عدد التعليقات : 0