بين حضور العقل وغيابه

بين حضور العقل وغيابه عبدالباري أحمه إن محدودية مساحة التفكير ليست مرتبطة بالزمكان فحسب، بل بقدرة العقل الذي يحاول أن يتخطى تلك المحدودية، وأن ينجز فائدة من التفك…

مؤتمر الإسلام الديمقراطي
المؤلف مؤتمر الإسلام الديمقراطي
تاريخ النشر
آخر تحديث


 بين حضور العقل وغيابه

عبدالباري أحمه
إن محدودية مساحة التفكير ليست مرتبطة بالزمكان فحسب، بل بقدرة العقل الذي يحاول أن يتخطى تلك المحدودية، وأن ينجز فائدة من التفكير والتفكر. فليس مهماً أن يتفكر العقل في ماهية السماوات والأرض، والفضاء، وما تحت الثرى، وقاع المحيطات، إنما الماهية تتجلى في النتائج العلمية التي يكتشفها العقل. وهذا يقودنا إلى سؤال بديهي: أين يقف العقل من علم الغيب؟ فمثلاً كيف يفكر بالوجود والحياة؟ وكيف بدأ؟ أو كيف يفك أسرار الموت وما بعد الموت؟ هذه الأسئلة التي تتناول الغيبيات باتت مفاتيح سرية يبحث عنها الإنسان، فلا العقل الإسلامي أو غير الإسلامي حققوا نتائج ملموسة بهذا الخصوص، كون العقل البشري يمتلك طاقة محدودة في التفكير، ولذلك تبقى النتائج محدودة، لأن هذه الغيبيات لا تخضع لمجال للعقل البشري. من هذه النتائج نهى الإسلام عن التفكر بهذه القيم المعرفية والتي لا تخضع لقوة العقل، رغم وجود آيات قرآنية تحث الإنسان أن يتفكر، والفطرة الإنسانية من جانبها دفعت الإنسان منذ فجر التاريخ أن يسأل السماء كل هذه الأسئلة.
والأهم من كل ما ذكر هو ما دور العقل في الفكر الإسلامي، وما أنجزه في تبيان الحقائق الغيبية التي ما زالت غير واضحة المعالم والنتائج لدى كل مسلم ؟ فبرغم منح الشرع مساحة غير قليلة للعقل للتفكر، وإعطاء الفقهاء والمفسرين كامل الحرية بالتفكير، وقد منحت نصوص القرآن والأحاديث النبوية قدراً كبيراً لكل عالم مسلم بتفسير هذه الغيبيات بشرط أن يعتمد على العلم: {یَـٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُوا۟ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُوا۟ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَـٰنࣲ}[الرحمن:33]. فالإسلام ليس ككل الأديان دينٍ ميتافيزيقي بحت، بل هو دينٌ يدعو إلى التفكير والتفكر عن طريق العقل، فلولا العقل والتفكير لما توصل الغزالي إلى الحقيقة بعد بحثه عنها عبر الشك الذي عشعش في عقله في فترة ما، فنظريات الغزالي في طبيعة العقل وحدود عمله، ومدى علاقته بالغيبيات أوصله إلى شاطئ الإيمان عن طريق العقل. بهذا السياق يقول الغزالي: " إن الطبيعة مسخرة لله تعالى، لا تعمل بنفسها". بنفس الوقت الغزالي لا يلغي دور العقل إذا خدم حقيقة الوحي، فالعقل عنده قيمة كبرى، فلا بد من مزج العقل والشرع معاً فكلاهما يؤكد بـ ( لا غنى للعقل عن السماع، ولا غنى للسماع عن العقل، فالداعي إلى محض التقليد مع عزل العقل بالكلية جاهل، والمكتفي بمجرد العقل عن أنوار القرآن والسنة مغرور، فكن جامعاً بين الأصلين)1 أما ابن خلدون الذي ميز عمل العقل في مجالين الأول: مجال العقل مغلق أمام مجاله، والسبب يكمن في طبيعة الذات التي يتفكر بها، بمعنى آخر أن العقل لا يمكن أن يتجاوز أو يخترق دائرة الغيبيات التي تحيط به، والمجال الثاني مفتوح أمام العقل مثل النظريات المعرفية والتطبيقية والعلمية، فالعقل عند ابن خلدون هو (ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره)2
كنتيجة غير نهائية مازال الصراع قائماً بين حضور العقل وغيابه في أكثر القضايا المهمة في العقيدة الإسلامية المتعلقة بالغيبيات، فحضور العقل في المحسوسات واجب، ومن مهامه الجدال واختيار ما هو مناسب للمجتمع، وقد يغيب العقل في الأمور الإيمانية المتعلقة بالغيبيات مثل الوحي والملائكة، والجنة والنار وغيرها، ويبقى كل ما يتعلق بغياب العقل حين لا يحس بوجود الشيء، فالوجود الإلهي لا يدركه العقل، بل يغيب في ذات الله وملكوته، والقرآن أيضاً يوقر المؤمن الذي يؤمن بالغيبيات: {ٱلَّذِینَ یَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَیۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ} الأنبياء 49
لهذا ما زال العقل غائباً فيما يخص الغيبيات، كونه أقل سعة وادراكاً للوجود الذي يحيط به، فالكون ليس لعبة يمكن للعقل أن يستوعبه بشكل مبسط، فكيف به أن يستوعب الوجود الإلهي والوحي والقيامة، لذا فغياب العقل في هذه الحالة ليس انتقاصاً من قيمته. ومن هنا منح الإسلام الوسط مساحة للعقل بالتفكير ضمن حدود مقدراته كي يبقى الإنسان متوازناً مع ذاته ومجتمعه.
............................................................................
1 ـ الياس بلكا ـ الغيب والعقل صفحة 91 ـ الطبعة الأولى 2008 ـ المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
2 ـ المصدر أعلاه صفحة 101

تعليقات

عدد التعليقات : 0