الطلاق في الإسلام

الطلاق في الإسلام إعداد: شيرين كوسا لقد جعل الله ﷻ الألفة والمودة سبباً لاستقرار الحياة، وشرع الزواج ميثاقاً غليظاً لبناء الأسرة، وجعل من (الطلاق) رخصة عند الضرو…

مؤتمر الإسلام الديمقراطي
المؤلف مؤتمر الإسلام الديمقراطي
تاريخ النشر
آخر تحديث

 

الطلاق في الإسلام

إعداد: شيرين كوسا

لقد جعل الله الألفة والمودة سبباً لاستقرار الحياة، وشرع الزواج ميثاقاً غليظاً لبناء الأسرة، وجعل من (الطلاق) رخصة عند الضرورة، لا يلجأ إليها إلا من خشي ألّا يقوم بحقوق الله في زوجته.

فالطلاق حلال في الإسلام، لكنه من أبغض الحلال إلى الله،كما ورد عن النبي محمد ، فهو ليس هدفاً ولا حلاً أولياً، بل هو آخر العلاج بعد استنفاذ وسائل الصلح والمودة، شرعه الله فرجاً للمتعسرين ومخرجاً للمتضايقين حين تصبح العشرة مستحيلة بالمعروف ويُخشى ألا تُقام حدود الله.

فهو بهذا التصور يقع بين أحكام مضبوطة بضوابط أخلاقية وقانونية، تهدف إلى حفظ الكرامة الإنسانية وتقليل الضرر، وإعطاء كل ذي حق حقه مع إبقاء باب الرجعة مفتوحاً في فترة العدة، درءاً للشقاق ورغبة في الإصلاح، كما في قوله :{یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَاۤءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُوا۟ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُیُوتِهِنَّ وَلَا یَخۡرُجۡنَ إِلَّاۤ أَن یَأۡتِینَ بِفَـٰحِشَةࣲ مُّبَیِّنَةࣲۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن یَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِی لَعَلَّ ٱللَّهَ یُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَ ٰلِكَ أَمۡرࣰاً} الطلاق: 1

وقوله: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} البقرة:229

فما هي مكانة الطلاق في الشريعة الإسلامية؟ وما هي ضوابطه وأحكامه الراشدة التي تضمن عدم تحوله إلى ظاهرة مهلكة؟

رأي فقهاء التراث: قرر الفقهاء أن الطلاق حق للرجل، وقد أجمعوا على مشروعية الطلاق، بسبب المشاكل التي تؤول إليها الحياة الزوجية التي يصعب معها الاستمرار، وتعذر إزالتها بوسائل الإصلاح الشرعية. واتفقوا على ألا يكون إلا عند الحاجة إليه، ولكنهم اختلفوا في كيفية حصول الطلاق، والظروف التي حصلت فيها الطلاق: فالجمهور من أهل العلم، والأئمة الأربعة يقولون: إن الطلاق بالثلاث ولو بكلمة واحدة يقع، فإذا قال لزوجته: أنت طالق بالثلاث أو مطلقة بالثلاث، أو قال: هي طالق بالثلاث، يعني: زوجته طالق عند الأكثرين من أهل العلم، وحرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره.

وذهب جماعة من العلماء، إلى أنه لا يقع بذلك إلا واحدة، إذا كان الطلاق بلفظ واحد، بأن قال: هي مطلقة بالثلاث أو أنت طالقة بالثلاث، وذهب جمع من أهل العلم: إلى أن هذا الطلاق لا يقع إلا واحدة رجعية، وله مرجعتها ما دامت في العدة. روي هذا عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وقال به جماعة من التابعين.

والطلاق في رأيهم تعتريه أربعة أحكام من حرمة وكراهة ووجوب وندب. وله قسمان عند الفقهاء:

1ـ الطلاق السني: وهو الطلاق الذي يقع وفق الضوابط والشروط التي وضعها الإسلام، وهذه الشروط هي أن يقع بطلقة واحدة، وفي طهر لم يجامع فيه الرجل زوجته، وتكمن الحكمة من هذه الشروط بإعطاء الزوج فرصة لمراجعة زوجته، فيطلقها مرةً يعقبها رجعة.

والحكمة من عدم طلاقها أثناء الحيض: لكيلا تطول مدة العدة عليها، فيطول الطلاق إضراراً بالزوجة، والدليل على ذلك قوله ﷻ:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِن} [الطلاق:1]

كما حرم طلاق الرجل لزوجته في الطهر الذي جامعها فيه، إذ إنها لا تعلم إن كانت حاملاً أم لا، وبالتالي فإنها لا تعلم إن كانت ستعتد بالأقراء أم بوضع الحمل. 

2ـ الطلاق البدعي: هو الطلاق المخالف للضوابط والشروط التي وضعها الشارع للطلاق، كأن يطلق الرجل زوجته ثلاثاً بلفظ واحد، أو متفرقات ولكن في مجلس واحد، أو كأن يطلقها حال الحيض أو النفاس، أو في طهر جامعها فيه، وقد أجمع العلماء على تحريم هذا النوع من الطلاق، وأن صاحبه آثم، وقد اختلف الفقهاء في وقوعه.

رأي الإصلاحيين: يقولون بأن الرأي الأرجح أن الشريعة الإسلامية لا تفتح الباب للانفصال على مصراعيه كما تفتحه روسيا والولايات المتحدة ومعظم دول أوربا. كما لا يقفل الباب أمام الزوجين كما تفعل المسيحية والهندوسية، وإنما يراعي الظروف ويتماشى مع المصالح والمقتضيات، فقد يكون الطلاق واجباً أو يكون محرماً أو مباحاً وقد يكون مندوباً.

والطلاق عندهم لا يقع على المدخول بها في الحالات التالية: في أثناء الحيض، وأثناء النفاس، وفي أثناء طهر قد دخل بها فيه، وأيضاً لا يقع الطلاق المقترن بالعدد إلا طلقة واحدة. فإذا قال الزوج لزوجته: أنت طالق بالثلاثة ـ لا يقع إلا طلقة واحدة.

لأن الشريعة قد أباحت الطلاق على نحو محدد، فما خالف هذا النحو فقد خالف الشريعة، والطلاق في الأصل ممنوع ولم يأذن به الله ﷻ إلا في حالات معينة، وهي الطلاق في وقت معلوم وبعدد معلوم، فما خالف الإذن كان على أصل المنع فالطلاق قد جاء المشروع منه على النحو الذي بينه القرآن، فما جاء على غير المشروع فهو في دائرة الممنوع، والممنوع باطل.

رأي الحداثيين: ومنهم الدكتور محمد شحرور حيث يقول في كتابه "الكتاب والقرآن": يحق للرجل والمرأة المسلمة على حد سواء طلب الطلاق، لذا فإن الطلاق الشفهي يعتبر من اللغو، فإذا قال الرجل لزوجته أنت طالق فهذا من باب اللغو ولا يُنظر إليه بأي جدية. ويقول: "في التنزيل الحكيم، الطلاق مرتان، يبدأ بفراق مدته أربعة أشهر (فترة الإيلاء)، ثم يبدأ مرحلة الطلاق الأول الذي مدته ثلاثة أشهر أو براءة الرحم في حال كانت المرأة هي الراغبة في الطلاق، أو حتى الولادة إن كانت حاملاً، فإذا تمت العدة يتم الطلاق الثاني وهو نهائي ولا يمكنهما العودة عنه إلا في حال زواج المرأة من رجل آخر وطلاقها، وفي حال عادا عن قرارهما قبل الطلاق الثاني فلا يحسب الطلاق الأول كورة أولى بل يعودا كأن شيئاً لم يكن".

فالطلاق بين الرجل والمرأة لا يكون إلا عن طريق القضاء حصراً، فإذا حصل الطلاق عن طريق الرجل فيمكن أن يكون طلاقاً ردياً أو نهائياً، أما إذا حصل عن طريق المرأة فهو طلاق يمكن أن يرفضه الرجل فقط إذا كانت حاملاً، حيث أن للرجل أفضلية على المرأة في هذه الحالة فقط. أما في حال الطلاق الثاني والنهائي من الرجل للمرأة فلا يحق له ردها إلا بعد أن تنكح زوجاً آخر، وهذه قاعدة عظيمة جداً وذلك لتبيان أن الطلاق عملية جدية جداً وليست مجرد انفصالات مؤقتة. أما مفهوم بيت الطاعة ومفهوم النفقة الهزيلة ومفهوم التعددية والطلاق التعسفي وتعنت الرجل في طلاق المرأة حتى تسامحه في حقوقها فهذا كله يجب إعادة النظر فيه كلياً.

وفي الختام، يبقى الطلاق قراراً مصيرياً يحمل في طياته آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، ليس على الزوجين فقط بل على الأبناء والمجتمع ككل، وعلى الرغم من أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق كحل ضروري عندما يستحيل الاستمرار في الحياة الزوجية، إلا أنه يظل أبغض الحلال إلى الله لما يسببه من شرخ في نسيج الأسرة. لذا فإن الحكمة تقتضي التريث والتأمل ومحاولة استنفاد جميع سبل الإصلاح قبل الإقدام على هذه الخطوة، فإذا كان الطلاق هو القدر المحتوم فليكن بالمعروف مع الحرص على حماية حقوق الأطفال النفسية والمادية وتجنيبهم صراعات الوالدين. وعلينا جميعاً أن نعمل على بناء ثقافة مجتمعية تحتوي المطلقين والمطلقات، وتدعمهم لبدء حياة جديدة قائمة على التوازن والكرامة. 

تعليقات

عدد التعليقات : 0